شكرا أستاذ كورونا !

أيّها الفيروس الفتّاك: مهما كان منبتك ومشربك، ومهما كانت غايتك ووسيلتك، ومهما كان حجمُ اختراقك  وشرّك، ومهما كانت دائرة نفوذك وسعة انتشارك، ومهما كانت قساوتك وحدّتك، ومهما كانت حيلتك ودهاؤك...ومهما كان مستوى التدمير الذي تقوم به على كل المستويات... حيث حطمت عائلات وعطلت اقتصادا، وأوقفت النقل برّا وجوّا وبحرًا...وجمّدت مشاريعًا، وأجّلت أعراسًا ونشاطات...وامتحانات،  وألغيت مواعيدًا وبرامج وزيارات...وقطعت التواصل وأغلقت الحدود والمدارس وكثير من المؤسسات.

اليوم يشتكيك الناس ومنهم من يسبّك ويلعنك،  ومنهم من يسعى لقتلك ومحوك من الوجود لو قدر على ذلك...ومنهم من يتهمك بأنك عديم الشخصية منافق ولئيم وغادر...

بخصوصك تقام الآن ندوات  واجتماعات وتخصص ميزانيات... وبرامج في الفضائيات والاذاعات وعلى كل المستويات...وتذاع بخصوصك نشريات... وتجيش جيوش  من الأطباء والخبراء والمختصين للقضاء عليك...لقد قتلت مئات الآلاف في فترة وجيزة  ولازلت الى حد كتابة هاته السطور، تفتك بأرواح وتزهقها  دون أن تأخذك شفقة ولا رحمة...لم تفرق بين عربي وأعجمي ولا بين مسلم ويهودي ومسيحي وبوذي ومجوسي، ولا بين عسكري ومدني ولا بين عالم وجاهل، ولا بين فقير وغني ولا بين جنرال وجندي، ولا بين ابن البلد أو الأجنبي...وتفننت في القتل وقطع الأنفاس...ومنعت الناس من حضور الولائم بل حتى مواساة بعضهم... وحولت  الأفراح الى أقراح و بيوتا  وبلدانا  كانت  عامرة  الى أشباح ...

 ومع كل ما فعلته بالمجتمعات والدول  والأسر...تستحق الشكر! ليس لأنك لئيم ولعين كما يسميك البعض  بل لأن فيك ما يفيد الناس !نعم أستاذ كورونا: حتى لو حاولت قتلي وغدري كما فعلت بغيري... فأنا أذكر بعض  حسناتك  حتى لو كنت نفسك تجهلها ليس خوفا منك، لأنك كل يوم تعطينا دروسا،  في الصبر والاحتساب...وكل يوم نستنبط  الحكمة التي تنشرها عبر مواقيتك  التي تفرضها  وأجنداتك التي تجسدها  وحلقات بلائك التي تختارها.

لقد غزوت البلدان والمجتمعات... وأبنت ضعف الجيوش والمخابر، وكشفت زيف التظاهر بالقوة الخارقة والجيوش الجرارة وكسرت عنفوان بلدان  كانت تدعي السيطرة وطأطأت رؤوسها ووضعتها في الحضيض. لقد أبنت لنا أشياء كثيرة ما كنا ننتبه اليها لولاك...فأصبحت محل ذكر وحديث ومضربا للأمثال. فضحت تناقاضات كثير من الناس و شرحت لنا بالتفصيل الممل كذبهم ودجلهم وأنانيتهم وجهلهم وجبنهم وغشهم...بل ووقاحتهم، إلى درجة أن أصبحوا يتخذونك قناعا لإخفاء حقدهم ومكرهم وحسدهم وغطرستهم وطغيانهم ونفاقهم... وجشعهم... ووصل الحد بهم الى أن يؤرخوا أحداثا  باسمك ويتطيرون منك ويعتبرونك نذير شؤم... فمنهم من يردّد: هذا عام كورونا، حراك كورونا، زواج كروونا، حكومة كورونا، ميلاد ابن وبنت كورونا...عائلة كورونا، حفل كورونا، بل وصل الحد الى تلقيب الزمن بـ كورونا...الخ.

من الناس من يقف في طوابير مختلفة لقضاء حاجته، لاسيما إذا تعلق الأمر بسحب أموال، أو بالأكل والشرب... بل يقف في طابور من أجل الحصول على كلغ من الزلابية وهو صائم ...ويتنقل ليلا ونهارا... لكنه يتخلف عن القيام بواجب العزاء والمواساة  أو القيام بالعبادة، ويتحجج ويتخفى بكورونا كما أسلفت، فلا نفعته دروسك ولا أخذ العبرة....نعم؛ شكرا يا أستاذ كورونا، لقد أبنت حقارتهم ونذالتهم...فرغم ما حلّ بعائلات بأكملها لم تتحرك ضمائرهم وظلوا غير عابئين بما يجري...وكأن من يموت ذبابا وحشرات؟

أجبني بصراحة يا أستاذ كورونا: إذا كنت أنت من منع الناس من التنقل والتواصل، فلماذا أغلقت المساجد باسمك، فيما تفتح الأسواق؟  هل أنت عنصري لهذا الحدّ؟  أم لك عداء تجاه الدين أم أنت لائكي تفصل الصلاة عن المسجد؟ ولماذا  تمنع التعازي باسمك خوفا على حياة الناس فيما تفتح المحلات التجارية وأماكن التسوق؟ ولماذا يمنع الحراك باسمك فيما تفتح أسواق المواشي والأغنام؟ 

شكرا يا أستاذ كورونا؛ لقد نقص الضجيج في المدن ودوي الطائرات  والقطارات والباخرات، وعادت السماء لزروقتها بعدما احتجبت بسبب غيوم التلوث،  واستراح الناس من روائح السجائر  ونقصت الزحمة في الطرقات، وعادت الحرارة الأسرية في شهر  رمضان على الأقل حيث صلى الملايين جماعات في بيوتهم وأدوا صلاة العيد...بعدما أنهكتهم الفرقة والتشتت والبعد إلى درجة أن اللقاء في البيوت أصبح مستحيلا بسبب التكنولوجيا التي بعدت القريب وقربت البعيد. وعن طريقك: رأينا من أصبح يعرف ما معنى النظافة والتعقيم، ورأينا التلاحم والتضامن والتواصل والابتكار، وروح المبادرة  لدي نفوس وقلوب لاتزال حية.

 هناك من فهم الدرس فرَقَّ قلبه بعدما كان كالصّخر الجامد، ومنهم من راجع حساباته، ومنهم من وضع الفرملة  بعدما كان سيره كالبرق الخاطف... وبدأ يلتفت يمينا وشمالا حتى يصحّح مساره...وهناك من مازال في غيه وجبروته. صراحة يا أستاذ كورونا: لم أفهم بعض الناس الذين يفضلون أن تقتلهم في أوربا ولا يموتون في افريقيا هل لديك تعامل مع ضحاياك باختلاف بشرة الناس؟ وهل كورونا أوربا مختلف عن كورونا افريقيا؟

شكرا أستاذا كورونا على دروسك، حيث كشفت للناس معدن الأحرار والحرائرـ معدن العطاء والتضحية، معدن الوفاء... وأبنت للعالم حجم البلاء كيف يمكن أن يحل بعائلة في لحظة ويحولها الى شتات، وأشربت أسرا بأكملها  كأس المصيبة إلى درجة أن هناك من منع من حضور جنازة والده أو أمه أو أخيه... ومنهم من شعر  بمرارة الابتلاء وأحسّ بأناس اكتووا من قبله بالغربة  أو في السجون وبفقدان الأهل والأحبة، وأصبح من كان يكفر بالأمس القريب بالآية، "يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه". يراها رأي العين.

شكرا أستاذ كورونا على رسائلك وعلى مواعظك ونصائحك نعم لقد قتلت أنفسا ولكنك أحييت أخرى كانت ميتة. نورالدين خبابه 29 جويلية 2020

مساوئ ومحاسن كورونا

Libellés :

إرسال تعليق

[facebook]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.