الشهيد عبد الكريم العقون

  حياته وشخصيته :
هو عبد الكريـم ابن المسعود بن محمد بن عبد الرحمان بن علي بن محمد بن عبد الرحمان بن المسعود بن أحمد بن منصور الجوزي بن عياد بن أحمد بن منصور ( كما جـاء في سلسلة النسب المحررة في الشجرة التي وجدت نسخة لها عنـد  والده المسعود بتاريخ  12 محرم  1395 هجرية  ) ، لقبـه  العقون ، وأمـه  فاطمـة الزهراء بنت عمار بن الزيـوش ، ولد بقرية  ( لعقاقنـة )  من قرى بلديـة برج الغدير سابـقا سنـة 1918م، وفيها قضى صباه وطفولته  .

كان والـده الشيخ المسعود ممن تعلموا بدشـرة أولاد لعياضي عن الشيخ السعيد ابن الأطرش فحفظ عنه القرآن وتعلم الفقه واللغـة ، كما درس بالدشـرة  أيـضا جده الشيخ عمار ابن الزيوش وتعلم فن التجويد ، وقد كانت والدتـه فاطمة الزهراء -  التي توفيت عنه وهو صغير _ تحسن القراءة والكتابة وتحفظ ثلاثة أرباع القرآن الكريم ، وقد لقبها الشيخ السعيد ابن الأطرش (بالسيــدة).

أول ما قرأ عبد الكريـم العقون القرآن كان في كتاب الشيخ  العربي ابن العـدوي وواصل حفظه على والـده  ، ثم راجعه وضبطه على الشيخ علي بن عبد الرحمان  بعدها أخذ يتردد على قرية أولاد سيدي منصور  لدراسة مبادئ اللغة والفقه  على الشيخ موسى الأحمدي نويوات  في زاوية ابن السعدي مدة سنـتين تقريبا ومنها انتقل إلى زاوية بن بوداود بنواحي مدينة أقـبو.
 وفي هذه الزاوية أضاف لتحصيله المعرفي في الفقه واللغة مبادئ علم التجويد ، ثم انتقل الشاب عبد الكريم إلى مدينة قسنطينة  بين سنتي 1933 و 1934 فتتلمذ  على الشيخ عبد الحميد بن باديس  ،  وفي سنة 1936 ارتحل إلى تونس فدرس بجامع الزيتونة على الطريقة الحرة  وعـاد منه سنة 1939 م بشهادة التحصيل.

 .جـامع الزيتـونة  الذي درس فيه الشهيد  ﴿  تـونس﴾


رجع عبد الكريم العقون إلى قريته ( لعقاقنـة ) فاحتفلت أسرته بتحصيله العلمي على عادة الناحية في إقـامة الولائم وإعداد مآدب الضيافـة للزوار والمهنئين في هذه المناسبات الدالة على حب الناس للعلم و تقديرهم  لرجاله  .
وفي هذه السنة عقد الوالد لابنه عبد الكريم الزواج الثاني _ بعد الأول الذي كان  قبل العشرين من عمره مع إحدى بنات عمومته وفشل  _  كان هذا الزواج الثاني  من السيدة خديجة بنت الشيخ السعيد ابن المكي بولعواد الحسناوي وقد كان كما شهدت أرملته  زواجا سعيدا عاش فيه الزوجان في كنف المودة و الإحترام المتبادل  ، وقد و هبهما الله  بـه أربعـة أبناء ذكور  هما : محمد رضا  والوليد  وعبد المالك  وفيصل .

وفي هذه السنة نفسها جمع عبد الكريم  أبناء القرية إليـه  فعلمهم في الكتاب بضعة شهور ، ثم انتقل بعدها إلى مدينة برج بوعريريج فعلم  بمدرسة التهذيب ومع سنة 1941 م ارتحل إلى العاصمة عند خاله محمد الحسن بن عمار بن الزيوش وسعى للحصول على رخصة من السلطات الفرنسية  تخول له التعليم  فـتم له ذلك  بمدرسة الفلاح عند شارع صالح بوعكوير  واستمر مدة 15 سنة  ، ثم بالمدرسة التابعة  لمسجد المدنية  حتى تاريخ اعتقاله واستشهاده سنة  1959 م. 

شغل الشيخ عبد الكريم العقون  في الجزائر العاصمة وظيفتين  متلازمتين  هـما  التعليم و الإمامة  ، فقد أم المصلين بمسجد سانتوجين  وبمسجد المدنيــة .
 قال الشيخ محمد الأخضر السائحي : ﴿عرف الشيخ عبد الكريم العقون عند سكان  بيلكور كرجل ديـن أكثر منه شاعـرا ، وقد منحته وظيفة الإمامة  من محبة الناس وتقديرهم  مالم يمـنح غيره من الأدباء ،كنت أرافقه أحيانا لقضاء الأمسيات عبر شوارع العاصمة  فيميل إليه  الصغار والكبار  يلاقونه بالتحية  والتسليم  ، وقد كان هو شديد الحياء ،كثير التواضع ، يرد عن تحية الكبار  وينحني لتقبيل الصغار ، حتى أنني قلت له ذات مرة :﴿إن السائر معك ليحتاج إلى صبر ‍‌‌‍،  قال :  ولـم  ؟  قلت :  لثـقلك ،  فتبسم رحمه الله  ﴾ ﴾ .
وقال فيه الشيخ أحمد شقار ﴿  عرفت الشيخ عبد الكريم العقون ورافقته في مناسبات ثقافية واجتماعية كثيرة ، كما جمعني به الحديث عن الشعر والشعراء عدة مرات ، فوجدته  رجلا  يؤلف  من أول لقاء لتواضعه  ولين رفقته ، رجلا   حيويا نشيطا ، حسن الهندام أنيقا ، مغرما  بصور الفن ومشاهد الجمال ،  يلتقط الصور الفوتوغرافية  أثناء النزهات  ويكثر القراءة  للصحف والمجلات ، ويولع بأخبار الشعر والشعراء  خصوصا ذوي الاتجاه  الرومانسي ﴾.

حين اندلعت ثورة التحرير الوطني  انظم الشيخ عبد الكريم إلى صفوف المنظمة المدنية  لجبهة التحرير الوطني  ، فعمل على  بث الوعي وحشد الرأي الوطني لدعم الثورة  ، وشغل وظيفة أمين صندوق المال لمنطقة المرادية ، ولما حاطت به شكوك قوات الأمن الاستعماري  أخذت تعتقله من حين لحين  لا ستنطاقه والتحقيق معه ، حتى اقتحمت عليه بيـته ليلة  15 جانفي سنة 1959 م واعتقلته بسجن  الكورنيش عند باب الوادي مدة تقـارب الثلاثــة شهـور ثم نقلتـه إلى سجن الدويـرة  وأعدمتـه بقريـة ﴿ لخرايسية ﴾ ليلة 13 ماي 1959 م
الشــاعرعبد الكريـم العقـون

2 ) ثقافـته وشـعره
كانت ثقافة العقون ثقافة عربيـة محضة ، هيأها له محيطه العائلي ومساره التعليمي وغذته بها دراسته لأمهات المراجع  الدينية واللغوية والأدبية التي كانت معتمدة للدراسة في قسنطينة والزيتونة  ،  وكذا قراءته للجرائد والصحف والمجلات التي كانت تتابع الحركة الإصلاحية والأدبية في الشرق العربي ،  ثقافة صقلـتها تجارب الرحلات والأسفار وتحديات المرحلة التي عاشتها الحركة الإصلاحية داخل الوطن وخارجه .

فمن ناحية المحيط العائلي ولد العقون في بيت متدين محافظ يتمتع بمكانة ثقافية  فوالده المسعود بن محمد كان أحد القراء والفقهاء ، وجده لأمه عمار بن الزيوش فقيه يجود القرآن  ، وكلاهما كانا من تلاميذ الحاج السعيد ابن الأطرش وممـن تنتهي عندهما المشورة و تحسم  بهما الخصومة ويقام بهما الصلح في المنازعات التي كانت تقع بين الناس في منطقة برج الغدير وخارجها .
كما كان والده يبرم بين الناس عقود البيوع والهبات والوصايا ويجري الفرائض لقسمة التركات ، وإلى ما بعد سنة 1946م نقل الوالد محمد المسعود سكناه إلى الجزائر العاصمة وأقام بها، فأم المصلين بمسجد (الأكحـل) في العقيبـة بحي بيلكور إلى أن تقدمت به السن فلزم بيته  ، ووافـاه أجله سنة 1972 م، ونـقل جـثمانه ـ بوصية منه -  إلى مدينة برج الغدير حيث دفن بقرية الدشرة إلى ضريح شيخه الحاج السعيد بن لطرش .
وعليه فقد كان من الطبيعي جـدا  أن ينشأ عبد الكريم في هـذا الجو العائلي شابا متطلعا إلى العلـم طموحا إلى مستقبل أفضل ، مؤملا في خدمة وطـنه .
أما من ناحية الدراسة والتعليم  فقدكان شيوخه وأساتذته خيرة رجال الإصلاح والتعليم في كل من قسنطينة والزيتونة ، إذ تعلم عن الإمام ابن باديس  رحمه الله  وأخذ من أدب الشيخ البشير الإبراهيمي وفكره  ، كما تعلـم على كـبار  علماء الزيتونة واستفاد منهم  ، ثم أنه صاحب أثناء هذه الدراسة جيلا من الطلبة الشباب الذين تنتفع بهم الصحبة مثل الشيخ أحمد سحنون والشيخ أحمد بن ذياب ، والشيخ محمد الأخضر السائحي ، والشيخ أحمد شقار ، والشيخ عبد الرحمان شيبان ، والشهيد الربيع بوشامة ، فلقد كان  لهؤلاء وغيرهم  بلاريب أثر حسن في حفز موهبة العقون الشعريـة وتعزيـز جهـوده الأدبيـة  ،  فهم تلاميذ  المدرسة الباديسيـة ، وهم الجيـل الـذي دخـل الساحة الأدبية بالعمل الكتابي شعـرا ونثـرا وهـو يتـقد حماسا ومنافسة من أجـل أن تشـق الحركـة الثقافيـة  في الجزائـر طريقـها إلى النجاح المأمول  .

أما من ناحيـة عامـل السفر والرحلات التي كان يميـل إليها العقون ويقـوم بها سواء داخـل الوطن لأداء المهمات أو إلى الخارج للنزهـة عبر بعض دول أوربا والمغـرب الأقصى ،  فقد كان لهـذه الأسـفار تأثيـر إيجابي في بلـورة أفـكاره ، وتحديـد  قناعا تـه الخاصة اتجاه بعض القضـايا السياسيـة والاجتماعيـة في الوطـن ، وفي منحه من الدرايـة  ما وسع أفقـه الفكـري وأتاح له استلهام مواضيع شعرية وجيـهة  .
 أما بخصوص شعـر الشيخ عبد الكريم العقون في اتجاهاته  الرئيسية فإن من يقـرأ إنتاجـه  يجده شعـرا  مثل طبيعة المرحلة التي عاشها في جوانبها الاجتماعيـة والثقافيـة والسياسيـة ، و يلفـه صورة صادقة وصـدى واضحا لطبيعة  الحـياة التي عاشـها ناشئا متعلما ، والتي قضـاها كهلا معلما أديـبا ، شعـرا له  بصـورة عامة خصوصيات الشعـر.                                                                         
والخلاصة : إن الشهيد عبد الكريم العقون شاعر مثل مرحلة وطنية كانت لها تداعياتها السياسية وظروفها الاجتماعية والثقافية والأدبية الخاصة ، وقد عكس شعره بوضوح تلك الظروف بواقعيتها وإرهاصاتها في جـزائر الحركة السياسية والإصلاحية ، وجزائر الثورة التحريرية الطامحة إلى الحرية والكرامة .

من شعــر الشهيـد عبد الكريـم العقـون .

﴿  الكـون ضـاق بكـل حكـم جائر﴾
ذ كـرى عـلى مـرّ الأيا م  تـكـرّ ر           لـمـجا هـد ين جها د هم لا يـنكـر
ضـحّوا بأ نفـسهم لشـعب مـسلـم            والـنفــس أنـجـع للفـداء  وأجـد ر
وسـعـوا لشـعب طا مـح مـتطـلـّع            را م الـحـيا ة طـلـيـقـة  تـتـنــوّ ر
الـمـخـلصون لـد ينهم ولـشعـبهم           والـثا بتون على الـعواصف  تجأ ر
كـتبـوا صحا ئفـهم بحـبر مـن دم           نـعم الـدما ء بها الـشعـوب تطهّـر
سكـنوا الـقلوب بصدقهم ونضالهم           وطمـوحهـم للـمـجد صبـح مـسفـر
ركـب تـقـدّ م للـســبا ق يـحـثـّه            إ يـما نه وإلـى الـحقــو ق مـشمـّر
لايـنـثـني عـن عـزمه فـي سـيـره          كـي مـا يـنا ل مـراد ه أ و يـعـذ ر
ما ضرّهـم سـجـن و لا نـفـي و لا           مــو ت كـذ ا ك الـحـرّ لا يتـغـيّـر
ألفـوا الـمـعارك والـبطـولة والفـداء         خا ضوا غـما رالـموت كي يتحرّروا
نـشء تـجهـّز للكـفا ح  تخا لـــه           أشـبال غـا ب فـي الكـريهة تـزأر
أسـد حمـت آجامــــها  بشـجا عة         والأسـد تحـمي غـيلها و تـزمـجـر

 ـ  نظـمـها  الـشا عـر في ذ كـرى مـذا بـح الـثـا مـن ما ي 1945م  و نـشـرت فـي الـبـصائر  عـدد 155  فـي 14 ما ي 1951 م
رحم الله الشهيـد : المجـد والخلـود لشهدائنا الأبـرار.
الأسـتـاذ : محمد الشريف شـايب، تحرير ل/ بن عامر

إرسال تعليق

[facebook]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.