وداعا أخي عمار بلكعلول وإلى اللقاء في دار الخلود !

ماكنت لأتخلف عن زيارتك ومساعدتك بما أستطيع لو كنت في الجزائر. وماكنت أتخلف  عن مكالمتك! سمعت مؤخرا من طرف الأخ عابدين عقيدة الذي اتصلت به قصد تعزيته في وفاة عمه وعمته، وسألت بعدها أخي الأصغر مني سنا الذي زارك وتألم لوضعك...وأخبرني ابن خالتك صالح في مكالمة عن حالك الذي تدهور.

كنت ولاأزال أعتبرك أخي حتى لو لم تلدك أمي، لأننا تربينا في نفس البقعة الجغرافية وتقاسمنا في فترة البراءة...نبزة المطلوع، واللعب في الطويلة... واصطدنا مع بعض أنواعا من العصافير... وأنشأنا  مع بعض مرات ومرات القلتة في الواد...وكنا نتمتع بقفزاتك وسباحتك ... وتسابقنا  جريا وعلى الدواب...وتنافسنا في ألعاب كثيرة...
ومنها القيبان، وظلت العلاقة أخوية  بيننا الى غاية أن رحلتم من الدشرة والى عاصمة الولاية برج بوعرريج،  وكم تألمت لذلك...دون تفاصيل وانقطع الاتصال بكم منذ هجرتي المحتومة إلى الخارج.

قبل أن أبدأ في توديعك ياعمار، وأنا الذي لم يحصل لي الشرف أن أقبلك... وأن أحتضنك بعد السنوات التي قضيتها في الغربة: دعني أخاطب من خلالك بعض النفوس  التي ربما  يؤلمها الموضوع...  وتتسائل في حيرة من أمرها:  لماذا خصصتك بالكتابة وكان الأجدر بي أن أكتب في مواضيع أخرى؟  فلا أنت عالم ولا أنت شخصية وطنية ولا أنت  كاتب مرموق ولا أنت من المشايخ ولا أنت مجاهد ولا شهيد  ولا ...الخ. وكيف أخصص هذا الوقت لك وهناك من لم  يكلف نفسه بزيارتك ولا السؤال عنك  وهو بجانبك...؟

أحاول أن أكتب في مواضيع  ياسي عمار... لكن الكلمات تفرّ مني فرّا، فأجري وراءها أميالا وأميالا علني ألحق بها  وأتحمل مشقة التكلف... لكنها تزيد بعدا... وكأنها ترفض مجرد ذكر أولئك !... والسؤال: لماذا تأت  الكلمات تحبو بمجرد سماع خبر وفاتك  بل تأتي طائعة ومسلمة.. وتنهمر الدموع لأجلك دون طلب مني ؟ أطمَع في مُلكك أم مغازلة لجيشك الكرّار؟

عمار يا ذاك الانسان: أنت الفقير إبن الفقير، إبن عمي الجودي الذي يفوق مقامه عندي مقام الرؤساء والملوك والوزراء وكبار الضباط مجتمعون...لأنه ببساطة رجل والرجال قليل. كان الانسان الذي يأتمنه أبي على البيت، وكان الجار الذي نحبه بقلب مفتوح و الرجل الذي يتطوع رغم حاجته...فأذكر كيف كان يهرع صباحا والناس نيام لحفر القبور...وعندما يحضر الميت  ينسحب من أمام القبر تاركا المشيعين هناك لاسيما المولعون بالتقبيل.

 تعذب في الثورة بالكهرباء إلى غاية أن مسكته الرعشة وبقيت ملازمة له الى غاية وفاته... لكنه لم يوسخ جيبه بالمال السحت ومات بعيدا عن الأضواء. كان يعيش بعيدا عن الدنس وبعيدا عن المحرمات وترف الدنيا...شريف النفس نظيف اليد...بعيدا عن التجمعات، بعيدا عن التخلاط، محتفظ بعمله، ماسك بيته ولسانه عن أعراض الناس... وقد سمعت منه كلمات سبقت هذا العهد  بعقود ...ومنها G3 ...يعيش بعرق جبينه واختار تربية المواشي !  تلك الحيوانات الأليفة التي لا تعرف الطعن في الظهر ولا في الأنساب ولا في الشرف، ولا تتنكر للمعروف، ولا تغدر من بسط لها يديه، ولا تتكبر عن خلق الله، ولاتمكر، ولا تعرف قطع صلة الرحم ولا أكل  أموال اليتامى ولا التقاتل على الميراث...الخ. بل تأتي فرحة  مستبشرة عندما تقدم لها التبن والماء... وعندما تغيب عنها تصيح... وكأنها تحتج؟  و في بعض المرات عندما تحاول بيع  شاة ترفض الخروج من الزريبة...من كثرة ألفها والوفاء لك.

حاولت أن أبكي مرات عديدة يا عمار، رغم تأثري العميق في بعض الأحداث والمناسبات، إلاّ أن الدموع لم تطاوعني وبقيت حبيسة تثقل رأسي وتغير صدري...وكأنها ترفض الخروج...؟  وظلت الحشرجات تخنقني...والآهات تكاد تعيقني...  وهاهي اليوم  تنساق وتهطل الدموع  دون إذن مني، متناثرة...إلى حدّ الشهيق... بمجرد سماع خبر وفاتك- رحمك الله أخي عمار.

عمار: أنت أحد ضحايا المجتمع. عرفتك لاعبًا ماهرًا في كرة القدم...أيام كنا نلعب مع عابدين  وقريش ... وعرفتك سبّاحا من الطراز العالي يوم أن كنت تدخل القلتة فتهتز المياه وكأنها أمواج أقبلت. ولولا النميمة والطعن وأهل السوء...الذين خربوا بيوتا بأكملها ...لكنت كما كان كل الناس...ولخلفت  أطفالا من بعدك.كنت تحمل أفكارا منها ما يدخل في خانة التصور ومنها ماهو خيال...والخيال علم من العلوم لايعرف فنه الا المبدعون.  فلو أن شخصا في وقت ما حدثته أنه يمكن بناء نفق تحت البحر، أو طائرة تسير فوق الماء  أو بلوحة التحكم عن بعد، أو قطارا تحت الماء يسير أو إنسانا يطير في الهواء أو شخصا يراك من الهند بالصوت والصورة ... لاتهمك بالجنون...ولكن أصبحنا نرى ذلك الخيال بأعيننا مجسدا. الخيال الذي كنت تحمله ياعمار لم يكن قابلا للتجسيد... لأنك تعيش في بقعة لا تتوافق مع قوة الخيال الذي تطرحه...لاسيما وأن الأفكار غير مرتبة أحيانا وغير ممنهجة.

رغم الفاقة  ياعمار- كنت عزيز النفس...شامخ الرأس...ومع أخطائك في حالة الغضب التي ليس المجال لذكرها... والتي أحيانا تدفع اليها ...كنت حنونا... وصاحب قلب ...تحب والديك ولم تتخلى عنهم كما فعل الكثيرون ورموهم في دار العجزة  ومنهم من كان يعاديهم لاجل الميراث ويتظاهرون بالورع... وبقيت وفيا لهم حتى فارقوك الى دار الفناء.

وداعا أخي عمار...إلى رب  غفور ورحيم...نسأله أن ينزل عليك البشارة  وشآبيب الرحمة  ويحفك بعطفه، كيف لا وهو الغني عن عذابك..فاللهم  هذا عبدك عمار بلكعلول وأنت أعلم به...تجاوز عنه واغفر له. إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن..وإنا بك  يا أخي عمار لاحقون. عزائي لمن تبقى من العائلة  وأخص بالذكر الأخ الأستاذ محمد الأمين بلكعلول  بالعاصمة، والأخ الأكبر من الأم الأستاذ والمدير  عبد القادر خبابه...وربي يكون مع أختك س التي كانت تسهر عليك والتي لم أعرف عنها الا الخير وهي ضحية أخرى من ضحايا أهل السوء... وربي يأجرها قدر ماتعبت وربي يعوضها في الجنة قدر معاناتها في الدنيا. رحمك الله ياخويا عمار وربي يرحم عمي الجودي والوالدة وكل من ماتوا ولم أحضر لجنازتهم صغارا وكبارا.

نورالدين خبابه 03 جوان 2020
Libellés :

إرسال تعليق

[facebook]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.