الشهيد لخضر بشان

الشهيد لخضر بشان بن محمد وبوختالة السعدية، ولد سنة 1930 بقرية تيويرة بلدية برج الغدير ولاية برج بوعريريج، وسط عائلة ميسورة الحال تعتمد في حياتها على الفلاحة التقليدية وتربية المواشي. ترعرع الشهيد وتربى في طفولته الأولى تحت كنف والديه، وشاءت الأقدار أن يختار الله والدته إلى جواره  وهو لم يبلغ سن الرشد، فوجد من جدته والدة أمه فاطمة بلعياضي الحضن الدافئ ، فقد كانت تتردد باستمرار على منزل العائلة لشدة تعلقها به. وباعتباره الإبن البكر، فقد تحمّل المسؤولية إلى جانب والده في الكثير من الأعمال الفلاحية ، والرعي كبقية أقرانه، في تلك المنطقة، نظرا لصعوبة الحياة وشظف العيش.

 بدأ تعلم الحروف الأولى، في كتاب القرية، بمسقط رأسه، وهو لم يتجاوز سنّ الخامسة، على يد الشيخ المسعود بلعقون، ومن بعده الشيخ البشير مسعودي، اللّذين حفظ على يديهما كتاب الله، كما أخذ على يدي الشيخ أحمد بن مخلوف دروسا في الفقه وعلم الفرائض، وحفظ متن ابن عاشر، وكتاب الأجرومية في قواعد اللغة العربية. استفاد قبل ذلك من الدروس التي كان يلقبها الشيخ العلامة موسى الأحمدي نويوات، رحمه الله ، باعتباره أول مرشد ومعلم وإمام للصلوات الخمس بمسجد القرية، والذي لفت انتباهه ذكاء الشهيد، وقدرته على الاستيعاب، وقابليته للتحصيل. 

تلك القدرات التي كان يملكها الشهيد، أهّلته فيما بعد، عندما التحق بمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة 1948، لأن يكون متفوّقا، مما جعله محل احترام وتقدير من طرف معلميه ورفقائه، خاصة وأنه يتمتع بأخلاق حميدة ، وآداب عالية نال بها لقب الأديب ، بشهادة الشيخ أحمد حسين ، رحمه الله، أحد أساتذته في المعهد، وإطار بوزارة الشؤون الدينية في جزائر الاستقلال. 

طموح الشهيد في مواصلة التحصيل العلمي، لم يتوقف عند نيله شهادة الأهلية في المعهد الباديسي، ولكنه عقد العزم، وبرعاية واستعداد من والده ، على مواصلة الدراسة ، والمضي قدما في النهل من العلوم ، فكانت قبلته جامع الزيتونة بتونس سنة 1952، ورغم المرض الذي لازمه هناك ، إلا أن إرادته كانت أقوى، حيث درس السنة الخامسة والسادسة، وبعد الاستراحة الصيفية ، وحين هبّ للعودة إلى تونس لإكمال دراسته ، ردته الحكومة الاستعمارية هو وزملاؤه ، ومن هنا تبدأ محطة أخرى في حياة الشهيد.
نضاله وجهاده..
السنوات التي قضاها الشهيد في معهد بن باديس بقسنطينة ، وفي جامع الزيتونة بتونس، واحتكاكه بالكثير من مناضلي الحركة الوطنية ، وملازمته لوالده المجاهد الذي كان له دور كبير في التربية والتعليم والسياسة من موقعه كإمام في مسجد القرية، كل ذلك غرس في نفس الشهيد روح الوطنية ، وحب الوطن .

وكغيره من الجزائريين ، فقد أدرك الفوارق الشاسعة بين ما يحظى به أبناء المعمّرين من نعيم ، ورفاهية ورغد العيش ، وبين ما يقاسيه أبناء جلدته من فقر مدقع وجهل وحرمان  وازداد اقتناعا عندما صدّته الحكومة الفرنسية وحرمته من السفر إلى تونس ، لإكمال دراسته ، وكانت الاستعدادات للثورة جارية على قدم وساق، إذ لم يمض شهران على تلك الحادثة ، حتى أُعلنِت الثورة التحريرية في أول نوفمبر 1954..

تلقى والد الشهيد خبر اندلاع الثورة التحريرية باستبشار كبير، وجمع في فيفري 1955 بعض المخلصين ممن يثق بهم بمسجد القرية، أولهم أخوه الجمعي ، وسي عبدالهادي سويسي ، والسماتي سويسي وزيار محمد بن الحاج ابراهيم ، وإبنه لخضر ، وتم تكوين خلية من رئيس وكاتب ، وأمين مال ، وأعضاء مسؤولين كل واحد في عشيرته وشرع في جمع المال..

وهكذا أصبح الشهيد لخضر منذ ذلك التاريخ عضوا نشيطا في النواة الأولى للثورة على مستوى الجهة ، وقد مكّنه مستواه التحصيلي أن يكون عنصرا فعالا ، وأداة ربط واتصال مع الكثير من قيادات الثورة ، التي كانت تفد على القرية ، باعتبار أن منزل العائلة كان مركزا للثورة ومعروفا لدى المجاهدين في المنطقتين التاريخيتين الأولى والثالثة ، وهو مادفع الاستعمار الفرنسي وبالتعاون مع عملائه ، إلى التركيز على تصفية العائلة بأكملها ، وحرق كل مساكنها، لم تكتمل سنة 1957 ، حتى كان الجزء الأكبر من آل بشان قد لقوا حتفهم بينهم أعمام الشهيد وهم خمسة إخوة (الجمعي - المختار - العمري - موسى- عمر).

مع نهاية سنة 1955، وبالنظر إلى مستواهما ، تم تكليف الشهيد لخضر ورفيق دربه سي عبد الهادي سويسي وهو زوج أخته ، بالاتصال بالوفد القادم من الأوراس ، المتوجه إلى المنطقة الثالثة ، بتكليف من قائد المنطقة التاريخية الأولى الشهيد مصطفى بن بولعيد لفض مشكلة المصاليين ببني يعلا بالمنطقة التاريخية الثالثة ، وقد اغتنموا فرصة وجودهم بناحية برج الغدير ، لإرساء تنظيم الثورة بالجهة ، هذا اللقاء أعطى إرادة أكثر لأولئك المتحمسين للالتحاق بالثورة ..

واصل الشهيد عمله بالجهة ، وحتى عندما أُلقي القبض على والده المجاهد الحاج محمد بشان ، وإيداعه السجن لعدة أشهر ، استمر الشهيد في أداء مهمة الاتصال والتنسيق مع إطارات الثورة الذين كانوا يترددون على المنطقة، والحقيقة أن والده يعترف بأن الفضل كله يعود إلى الشهيد في كثير من الأمور ، حتى أن هناك أسرار لا يعرفها غيره، فقد عُرف بالصبر على المحن ، كما عُرِف كذلك بذكائه الخارق ، الذي يشهد له بذلك الكثير .
ظروف استشهاده
تحرُك الشهيد واتصالاتُه المكثفة، وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، في ظل اتساع رقعة الكفاح ، حيث توالت الدفعات المتلاحقة بالثورة، بتلك الناحية ، وإرادته في مواصلة العمل ، بالرغم مما لحق العائلة كلها من تقتيل وحرق المنازل وترهيب متواصل، كل ذلك لم يقل من عزيمة الشهيد ، فتنبه الاستعمار لذلك ، وجنّد أعوانه بالجهة، ممن باعوا ضمائرهم ، لمراقبة وترصد تحركاته، فبلغت المعلومات الضابط الفرنسي، ليتحرك بجنوده، ويطوّق الناحية، ويلقي القبض عليه في منتصف جويلية 1957 ، ويقوم الجلاد باستنطاقه وإعدامه رميا بالرصاص، أمام مرأى الجميع..

جمانة بشان: إعلامية مقيمة في دبي
Libellés :

إرسال تعليق

[facebook]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.