لقاء مع الصحفي خليل شوثري

كان من بين شباب وكفاءات الغدير الذين تحمّسوا لفكرة اللقاء في هاته الفضاءات الجديدة...والتي جمعتنا على الأخوة والمحبة والتنقيب على كنوز المنطقة وتلك الأجواء التي تبعث الطمأنينة في النفوس وتزيدنا قربا، كيف لا - والغدير مسقط رأسه ومهد صباه وأساس مبناه؟ فيه درس مرحلته الابتدائية والثانوية...وفيه تعلم نحت الحروف، ومنه انتقل الى عالم الاعلام  والصحافة حيث حطّ الرحال في مبنى التلفزيون الرسمي بالجزائر العاصمة يوم أن كانت للكلمة مهرُُ يُدفع ...وانتقل الى الدوحة في قطر لمزيد من الاحترافية...حيث يزاول مهننه باقتدار.

كان لأساتذة الغدير بصمات في مسيرة الصحفي خليل شوثري التي يعتز بها. أردنا أن ندغدغ حنينه، ونختبر ذاكرته المليئة بالأحداث والذكريات ونقتحم بعض أسوارها من خلال شقوق أحدثناها عبر الأسئلة، ونطلع على بعض الأسرار المخبأة في أروقتها وأدراج خزاناتها الحديدية...ونقتني منها بعض المفاتيح لمواضيع مستقبلية تزيدنا تعلقا بالغدير وخصوصياته ...ففتح لنا قلبه وأمدّ لنا يده ... وكان لنا معه هذا الحوار الخاص بمجلة الغدير:
 خليل: كيف كانت بداياتك مع التعليم - هل تتذكر اليوم الأول من الدراسة وأساتذتك والتلميذ الذي جلست معه، وتستطيع أن تصف ذلك اليوم ؟
شكرًا أخي نورالدين ... تسألني إذن عن البدايات ... عن أجمل شيء.. هو الماضي .. ولماذا كان جميلا ؟ كل ما أعـرفه أنّ الطفولة تُبكّـرُ مسرعة للخروج متملّصة من حياتنا، ثم نمضي بقية العمر في ملاحقتها  ومحاولة استعادة واستدعاء أطوارها وجمالها ومقاطعها ... خصوصًا بداياتها. كانت صبيحة سبت سبتمبري من العام 1980، عندما وطأت قدماي لأول مرة مدرسة القرية ... الوحيدة آنذاك (عبد الله بلكعلول حاليا )... الانتظام في الصف تقليد جديد ... وككل طفل يحاول الفهم وتجاوز بعض الفضول والدهشة والتطلع للتموقع في هذا العالم الجديد.
كان الحال التعايش، بدأ مع ورقة مطوية وقلم باليد ... وجوه جديدة وكثير من المشاعر المتداخلة والتساؤلات الأكبر من أعمارنا، والتفاصيل التي تلاشى معظمها تقريبا وأضحت طيفا من الذاكرة ... إلا واحدة لن تنمحي... فهي ماثلة وكأنها الأمس ... فبينما كنا في صفوف أول صباح بالساحة قبل دخول الأقسام ... التفتت يمينا فكانت المفاجئة والإطلالة البهية ... وهو عائد من السوق الأسبوعي فوق الدابة الشهبة المحملة بخير وبركة .. عندما كانت الأسواق أذواق وملتقى للأرزاق ...
مــرّ والدي المسعود / أوسيدي كما نناديه / رحمه الله وتوقف عند سياج المدرسة ولوّح بيده مع ابتسامة داعمة .. هي الى اليوم غرس في حنايا الصدر ... ومخزون حبّ لم ينضب أو ينقطع، وجذوة حنان لم تنطفئ ... انقضى سريعا ذلك اليوم الأول، وأذكر أن البطيخ حضر على مائدة الغداء لدى عودتي للدار- بينما كان اللحم للعشاء .. والعادة أن يكون العيش أكلة الفرح والتفاؤل كما هو ذوق للنجاح والبهجة - كان أول يوم لا يُنسى في مرحلة لخمس سنوات، انتقلت في السادسة منها الى المسيلة مع أخي المبروك في بداية حياته الاسرية عام 1985.
صدقا...لا أستحضر من كان جنبي في طاولة الدراسة أول يوم ... ولكن أذكر اخوتي وزملائي من جيلي: رابح مروش، فؤاد بوختالة، عادل بن سالم . أذكر جيدا بكاء وتألم الاخت م  بومرطة فقد كانت ركبتاها تنزفان بسبب جروح اثر سقوطها بالساحة في ذلك اليوم – أذكر من علمني من الافاضل : الميلود بن سالم .. كمال زواري ...عاشور نعيمي ... رشيد بن خليفة .. وأعتذر ممن لم أستحضر اسمه أو اسمها من المعلمات الفضليات. 
لا يمكن الغوص في طفولتي وبداياتي دون ربطها بالعودة إلى أبي ... العائد كل مساء من أرق النهار وكدّ الرزق وجهده وجهاده ضد قساوة الإعاقة ... دون تذكر كبريائه وأنفته وظله الطيب وبجنبه الأم الموزعة لحنانها كشجرة تنشر الظلّ وتزرع الثقة والهدوء. نجاحنا كان أكبر تحديات الأب فكان الحافِز والمُحَفِّز ... تحتفـظ معظم العائلات بألبوم صور يُسجل مراحل أفرادها ويوثق بداية تعلمهم ومراحل تدرجهم وتخرجهم ... نجاحهم وحتى خيباتهم ... لكن بالنسبة لنا كثيراً من صور حياتنا التقطت وحفظت في ذاكرتنا الخاصة كعلب بعضها مغلقة شأنها شأن كاميرات التصوير التي وثقت تلك المراحل بلونيها أسود وأبيض ... ولبست رداء الخصوصية ... فبعضها غير قابلة للنشر وبعضها يرفض أن يكون رماديا.
 قبل أن تذهب الى الجامعة، لاشكّ أنك مررت بمرحلة الطفولة كأي تلميذ، ما الذي لايزال منحوتا في ذاكرتك رغم زيارة عدد من البلدان والتعرف على أجناس مختلفة ؟
نعم .. يعود الإنسان عادة ليتحدث أو يكتب جُزءً يسيرًا أو غزيرًا من مذكراته أو سيرته الذاتية، لكنه يتجاوز سريعا مرحلة الطفولة ويقفز إلى حاضره، مع أن فترة التعليم الابتدائي تكاد تكون أساسًا لما بعدها، ففيها تتكون المفاهيم، وتنشأ الرؤى، ومن خلالها يتشرّب الإنسان أفكار عائلته وقناعاتها وتوجهات أقاربه ومجتمعه المحيط به، ويصعب عليه ربما الفكاك من تأثيرها الممتزج بكيانه الإنساني ... ونحمد الله أن من اخوتنا وأهلنا وشباب قريتنا وسكانها من كانوا القدوة والمثال للنجاح تعلّما وأخلاقا .. ومن فضل الله أن نشأنا قبل التمدرس وأثناءه في حلقات المساجد وفي فترة كان العلم والنجاح في الدراسة يعتلي سلم القيم لدى العائلات الكريمة في قريتنا وقرى منطقتنا قاطبة ... نشأنا على مطاردة الهدف وأمل أن ننجح لنسعد ونفرح من تعب لأجلنا ... كان أبي بالغ الغبطة وسعادته فياضة وهو يفاخر(نعم .. يفـوخ) بنجاح أخي عبد المليك الباك (بيلانغ) ويروي لكلّ من يزوره في العشة (المحل) متابعته الدراسة في جامعة سطيف.
 كان أخي عبد المليك وأخي المبروك ومن كان يزور بيتنا كثيرا من مجموعة طيبة من أصحابهم الاخيار يمثلون لنا جيلا باهرا... كنا صغارًا وكانوا لنا مثالا لتلك القدوة وذات النجاح الذي كان ينبغي أن نلاحقه بالسيرعلى دربهم ... كثيرة هي المواقف والمآثر المنحوتة. يمتد العمر ويتراكم النضج ... وتسير الحياة بنا على خطط وخطوط ... بعضها خيارات وأخرى ضرورات ... لكن تبقى فصول الحياة البسيطة التي عشناها هي الراسخة.. المناسبات الدينية والاجتماعية.. طريقة عيش الأسر وتكافلهم ..التويزة - الوزيعة .. تعاقب الفصول ..شاو الربيع .. بيوتنا التي بنى الآباء والأجداد حجارتها بقلوبهم قبل سواعدهم ...أبوابها العتيقة المكنزة بالرمزية ...ألعابنا وهواياتنا المنسجمة مع بيئتنا .. شغبنا وشغفنا... وكثير كثير- كلها راسخة فينا رغم الطواف في مدن الأرض إقامة أوعملا ... وتبقى التنشئة أقوى ما يسري فينا والثقافة الواسعة لأهل المنطقة والتعليم الجيد والتنافس على النجاح ما منحنا سحر وقوة الأدب والكتابة وسلطة الكلمات وأكسبنا مفاتيح اختلاف وتميّز كانت سلاحنا في كلّ الساحات ... مهنية أو حياتية. 
 هل بالإمكان أن توصف لنا مرحلة الثانوية وكيف كان شعورك يوم البكالوريا؟
كانت المرحلة الثانوية تجربة مثيرة ثرية وجميلة ... وبالنسبة لي حدث تغيرعلى مستويين ... الأول حياتي، حيث رجعت لبرج الغدير في الأولى ثانوي ملتحقا بثانوية مالك بن نبي بعد أن أتممت مرحلة المتوسطة باقتدار عال- تحقيقا لوصية أبي ..(لازم تبهرهم)- في متوسطة يحيى بن معطي الزواوي بالمسيلة وقبلها السادسة ابتدائي بمدرسة بن باديس ... أمّا المستوى الثاني فهو دراسي وسوسيولوجي- سياسي في وجود مستوى جيد وانخراط في التنافسية المعروف بها طلبة الغدير ... مضاف اليه أهم معطى وهو الانغماس غير الطوعي والتأثر ككل الطلبة وعموم الشعب بالأحداث السياسية والتجاذب بين الأحزاب لاستقطاب ميولات الطلبة بين تيارات ثورية وطنية – ويسارية وأخرى اسلامية ...
كانت المسيرات والتجمعات والانتخابات وحملاتها وتوجه الجبهة الاسلامية للإنقاذ لاكتساح الشارع والنتائج الأثر الكبيرعلى اهتماماتنا فترة الثانوية ...انشغلنا بما يجري وماحدث من تغيرات بعدها ... التركيز في الدراسة وأهوال وأحوال المرحلة ... أفقدنا هواية التنقيب في طفولتنا ... وليت أن المؤثرين يخصون طفولتهم بالحديث، كما أن الباحثين في تاريخ الرواد والقادة والمبدعين يحسن بهم أن ينبشوا في طفولتهم وبداياتهم. البكالوريا لم تكن بمعزل عن أحداث البلد السياسية ... كان يوما حاسما وتم التحضير له بمشقة وثقة ... مرت أيام الامتحان جوان 1992 بشكل جيد وكان التحصيل التقريبي والتوقعات بأن أنجح بمعدل جيد جدا ...لكن فضيحة تسريب الأسئلة بعدها وقرار إعادة الدورة آنذاك صدمنا وأربكنا كثيرا ودخلنا الدورة الثانية بمشاعر الشك والأسف ...لكن كان النجاح والحمد لله وبمستوى مُرضي. 
 لماذا اخترت الإعـلام ؟ 
حقيقةً وصِدقًا... لم يكن خياري ! كان التوجيه والحسّ الجيد يعود لأخي عبد المليك الذي أقنعني أن قدراتي وثقافتي أجدر أن تكافئ بالتوجه الى الإعلام لإطلاقها .. رغم أن ميولاتي كانت علمية وشعبة النجاح في البكالوريا علوم ...وافقت على مضض بعد استحسان أبي للفكرة ... وشيئا فشيئا اقتنعت أن التجربة الإعلامية جديرة بأن أخوضها ... ذهبت العاصمة أول مرة بصحبة أخي عبد المليك (505 فرود) ... كانت ضربات الارهاب للإعلاميين تزداد ضراوة ودموية وأخذ الوضع الامني شكله المرعب، وانزلقت البلاد في دوامة الموت والتفجيرات ... في خضمها، التحقت بمعهد علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر بمساعدة الدكتور أحمد شوتري الذي غادر المعهد بعدها بأسابيع الى العراق تحت وطئة أعمال التقتيل الإرهابية والاغتيالات ... اخترت بعد الجذع المشترك فرع – تلفزيون وراديو – في السنة الثالثة... كانت الدراسة الجامعية صاخبة .. والتأقلم مع الحياة الطلابية والتطبيع مع ظروف أمنية وسياسية خطيرة التحدي الأكبر ... لكنها على صعيد التحصيل جيدة ومثمرة بمضامينها وكثافتها.

أدركت أن الاعداد الجيد لصحفيي المستقبل أسسه متينة - صحيحة ... تعايشنا مع الظروف الصعبة ونزيف الكفاءات والدكاترة .. وتخرجت بعد مناقشة مذكرة الليسانس بتقدير ممتاز شهر جوان 1996. وبحكم ارتباطي بالتلفزيون قبل ذلك بشهور أثناء إعداد مذكرة التخرج ونوعية الموضوع وآنيته في تلك الفترة داخل مبنى التلفزيون ... ارتبطت طبيعة العمل الاكاديمي وتقاطعت مع مسؤولي التلفزيون والصحفيين بنقاشات ولقاءات وخرجات ميدانية أسست لثقة ونوع من الفهم المشترك لطبيعة العمل التلفزيوني ومدى الجاهزية لأدائه ...
وأضاءت الظروف والمستوى الجيد على شخصي الذي كنت عليه، وارتسمت حالة استشعار من جانبي وقابلية من إدارة الاخبار لإمكانية الاستقطاب والالتحاق بالتلفزيون مباشرة بعد التخرج.  طبعا ... في بلد كبلادي تلك السنون لم يكن كل ذلك كافيا ليكون الامر سهلا ... فهناك من قطاع الطرق المهنية من يخاف ويناوئ الكفاءة .. ولكي تتحقق إرادة الله وقوة القدر... ترتبت واجتمعت من أجلها بسلاسة غريبة كثير المعطيات التي كانت في صالح توجهي وخدمة رغبتي المتعاظمة.. أحتفظ ببعض وأذكر بعضها..
مدير الاخبار الجديد عملت معه عن قرب فترة التربص ويعرفني بشكل وثيق ... كما كنت التقي وقتها بانتظام الاخ العزيز عبد الوهاب خبابة الذي كان نـعم السند بما أعرف وبما لا أعرف ... بدأت العمل بغرفة الاخبار .. وكان استثناء أن سجلت في أول نشرة عملت بها ...وبدأت يومها بشريط المختصرات الدولية ... شهر أكتوبر 1996 - تسلسلت في الاقسام والمواقع لست سنوات واسندت لي مهام وتغطيات حساسة في الرئاسة بالداخل والخارج وانشطة لمؤسسات سيادية وانجزتها بكفاءة وتحفز واقتدار ... غادرت التلفزيون نهاية جانفي 2002 الى تلفزيون قطر في ظروف كان مقياس النجاح آنذاك هو خوض تجربة احترافية جديدة وكان الحال يوصف من عامة الزملاء بين وضع طارد ومنفر ... ووضع جاذب في كل المناحي... لكن في النهاية هو القدر والمكتوب .
كيف يمكنك أن توصف لنا تجربتك في الاعلام لاسيما وأنك اشتغلت في فترة صعبة؟
نعم ... كانت في بدايتها مزيجا من التحدّي والتطلع لإثبات الذات مهنيا في محيط غامض بعضه متوجس مناوئ وبعضه مرحب متعاون ككل ووضع بمؤسسات البلاد واداراتها وهيئاتها ... وسط هواجس أمنية وظروف سياسية عصيبة يواجهها البلد المليء بشتى أنواع الأحزان والخوف والقلق والانقسام والتشظي. كان الانتماء لغرفة الأخبار بالتلفزيون بمثابة موعد مع حلم ... قلة فقط من ينالون ذلك ... ولطالما كنت أشعر أن الحلم كان ينتظرني وما علي إلا المبادرة واقتطاع مساحة في غرفة الاخبار والنشرة ... مساحة تتسع لطاقتي وقدراتي ... لم تكن البداية سهلة لكن مع الوقت والمواظبة ... كان للتمكن من أدوات العمل وفهم طبيعته والمهارة والجودة وتعميق الأداء وتنويعه في الكتابة وقوة الاقتراح والتجديد أن صنعت الفارق ...

كنت من بين زملاء قلائل بنوا على نجاحات من سبقونا من جيل يوصف بالذهبي ... واستطعنا تحقيق وثبة في اللغة التحريرية ونوعية المنتج الاخباري باحترافية ... رغم العمر المهني القصير آنذاك.  مؤسسة التلفزيون تبقى هي الحضن والأم المهنية التى رضعنا منها أسس المهنة وحب كل ماهو وطني جزائري وهي صاحبة الفضل علينا ... فيها تعلمنا واكتسبنا المهارة التي منحتنا وراكمت لدينا الخبرة والدراية والعمق في ادارة الخيارات التحريرية ... وكانت لي في تجربتي بتلفزيون قطر قوة هائلة وضاربة ...ونموذجًا متفردًا في المعالجة الاخبارية ... على غرار كل الاخوة الزملاء الذين غادروا التلفزيون وأصبحو أعمدة أساسية في فضائيات عربية وغربية وغيروا كثيرا من الفهم الخاطئ السائد عن الاعلامي الجزائري ومنهم من يتمتع بالحصافة والمقدرة المهنية ولم يغادروا التلفزيون الى اليوم. 
 كيف يمكنك أن تقارن تجربتك في التلفزيون الجزائري بتجربتك في الخارج؟
البيئة المهنية تختلف ... بحسب طبيعة كل بلد وخصوصياته السياسية والاجتماعية ومفاهيمه للحدود والضوابط ... هوامش الحرية أيضا تتباين ... فرغم أنني انتقلت من تلفزيون رسمي الى تلفزيون رسمي - سعيا لخوض تجربة مهنية وحياتية جديدة ...إلا أن معطيات كل بلدٍ تفرض عليك نمط التجربة.. سواء في مدى الالتزام أو في هوامش الاجتهاد في تطويع الخبر أو التعاطي مع الاحداث الكبرى أو شكل النشرات ومضامينها ... أو حتى إعادة اقتراح الأوضاع بلغة تلفزيونية خاصة ترتبط بمؤسسة الحكم في كل بلد ... 
ما أود ذكره أنه طيلة تجربتي في تلفزيون قطر 18 سنة (قبلها 6 سنوات في الجزائر) تأسست لي ثقة مهنية صلبة. لم أواجه أو أستشعر أي نوع من الرقابة المباشرة أو التوجيه غير المهني أو التنكر للكفاءة ...

فقد كنا نعالج الأخبار والاحداث بهامش حرية كبير وأريحية وضمير مهني عال ينسجم مع الثقة والأمانة الممنوحة لنا .. ووفق ما يسند الينا وعلى قاعدة نادرة وهي ترك المعالجة التحريرية لمهارة المحترفين والمقتدرين ... وقد تكرّس فهم جديد نجم عن استكشاف لنمط مغاير لما اعتادت عليه تلفزيونات المنطقة العربية عموما والخليجية خصوصا ... أذكر دائما ما كان يقوله لي مدير التلفزيون السابق محمد الكواري ... كان يقول مداعبا ومبسوطا .. يا خليل: أنتم الجزائريون- أين كنتم مختبئين بهذه المهارة وبهذا الابهار والتفرد في العمل التلفزيوني ...؟ كيف تأخرنا في اكتشافكم ؟.يتساءل ؟ هذا النوع من الحضن المهني والاحتضان والضيافة الاجتماعية التي تمنحك الاريحية وحب المكان عامل حاسم في نجاح أي تجربة ... التجربة بين الداخل والخارج تكاد تكون معمّمة على غالبية الاعلاميين الجزائريين في القنوات العربية أو الغربية ...والقاسم المشترك هو نفس الفهم للعمل التلفزيوني ...ونفس الاثر والنجاح الذي أحدثوه أينما حلوا وارتحلوا ... معظمهم ماكينات عمل رهيبة وخلاقة (مدني عامر أفضل مثال لي وأعز أخ ) ... ولا تكاد تجربتي تخرج عن هذا السياق والنسق الجماعي للإعلاميين الجزائريين في الخارج. 
 من هم الأساذة الذين صقلوا شخصيتك وساهموا في توجيهك؟
فضل المعلمين والأساتذة كفضل الرّسل على الأمم التي أرسلوا اليها ...هُم كثرُُ وكلّهم ذوي فضل.. لكن أبرزهم الاساتذة الأفاضل ...الحسين خبابة ...عبد المليك ... عمار لوعيل .. السعيد شوتري ... وهنا لــديّ كلمات وليس سطور أعتقد أنها مناسبة ولا بدّ من ذكرها وضمّها إلى التمنيات والشكر لكل معلم وأستاذ وعزيز وصديق وزميل وطيب وصاحب فضل وخير ومودة وحق بالوفاء علي أن أذكره هنا.
 هل نالت دائرة الغدير المكانة التي تستحقها مقارنة بمكانتها تاريخيا ؟
الغديرعندي من مواطن الشوق والحنين، مسقط الرأس وضفاف اللجوء الأخير. هي أول مدن الصداقات والذكريات الخالدة - الدشرة هي الشامخة بالقلاع المهيبة وأثر تضاريسها على صلابة انسانها ومقاومته صنوف الظروف...

السنوات التي غبتُ عنها هي سنوات ليست للندم .. في الأعوام الأخيرة أحرص على رحلتين لها صيفا وشتاء ... وكمعظم مناطق الجزائر لا أظن أن تضحيات أهل المنطقة ومكانتها العلمية والشرعية كقطب للقرآن وعلوم الشريعة والجهاد ضد الاحتلال قد نالت نصيبها من زرع الأمس وغزارة الدماء التي قدمتها.. الحالة معمّمة على مناطق الجزائر الأخرى وإن بتفاوت من منطقة الى أخرى ... وربما هناك بعض التقصير والإهمال من نخبها وإطاراتها ومثقفيها ممن فرقتهم سبل الدنيا وقل منهم وصلها أو الاهتمام بشؤون أهلها. 
 مالذي يهواه خليل خارج الاستديوهات والكاميرا؟
الاندماج مع الطبيعة (خصوصا اثر قساوة طقس الخليج )... وهواية الصيد البري هي المفضلة... إنها شغفي الأول ... فهي رياضة وتحدي ومغامرة ... وأسلوب حياة أجد فيها راحة ومتنفسا وحقلا للمهارة والتأمل في عظمة الخالق ... هي أيضا في جزء مهم منها ثقافة بيئية وإيكولوجية خلافا لمن يرى فقط أنها قتل للطرائد البرية ... فيها جوانب أخلاقية تحافظ على استدامة الصيد والأصناف... وضوابط قانونية للمحافظة على البيئة وعدم الاضرار بها والامتثال لفترات الصيد والراحة البيولوجية ... وحماية الأنواع المهددة بالانقراض ...
وقد ترسخ في منطقتنا من خلال الفدرالية الولائية التي يرأسها يونس زواوي وجمعية تصحيح لتنظيم الصيد وحماية الحيوانات برئاسة عبد اللطيف بورغداد - وأنا عضو منخرط فيها - الى جانب الاخوة الصيادين الأعضاء من كل مناطق الغدير ... ترسخ نهج لتنظيم النشاط ومفهوم عام لخلق فرص ومساحات صيد واسعة والمحافظة عليها بإقامة نقاط للمياه لسقي الطيور فترة القيظ ...وكلّها أنشطة أعتز بأنني جزء منها ... وأرتاح لرؤيتها ومتابعتها ولو عن بعد. 
 مالذي وجدته في مجلة الغدير والذي تتمنى أن يكون في المستقبل؟
إنها شاملة تقريبا ... أركانها ومواضيعها تراعي خصوصية وما يحتاجه أهل المنطقة وقراء المجلة ... فهي تلبّى نهمهم لإعادة استدعاء الماضي وتفاصيله ... وجسر للتعريف برموز ورجال المنطقة وتاريخها ومشايخها وعلمائها ... تحاول أن تكون جسرا للأجيال الجديدة لنقل القيم والمثل الاجتماعية وأصبحت أرضية لقاء لأبناء الغدير وجمعهم من شتات الأرض ودروب الغربة ... إنها جديرة بالأثراء والدعم والمتابعة وهي نمط ناجح وأسلوب اعلامي جديد ومختلف أفرزته الفضاءات الجديدة ... لغتها راقية وتخاطب كل الفئات ... قد تحتاج إلى تحديد الضوابط الخاصة بالنشر وهذه مهمة أنتم قادرون عليها أخي نور الدين لتحافظ على زخمها الجيد ... وربما أن تنفتح على رموز وقامات إعلامية وأدبية أخرى من أبناء الغدير ومن المناطق الاخرى المهتمين بشؤون الغدير.
كلمة توجهها الى أهل الغدير في الداخل والخارج عامة، و زملائك وأساتذتك وأصدقائك بشكل خاص؟
نسأل الله لهم التوفيق والحفظ والستر في هذه الأيام العصيبة وأن يرفع عنا جميعا الوباء والداء وأن يديم المحبة والمعروف والتآزر بين كل سكان الغدير قراها وبلدياتها ومداشرها ... فهم أهل وأنساب وأصهار ودماء مختلطة... إني أراهم وأعتبرهم عائلة كبيرة واحدة .
حاوره نورالدين خبابه 02 جوان 2020

إرسال تعليق

[facebook]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.