الشيخ المفتي محمد الطاهر خبابة

أن تكون دارسًا للقرآن واللغة العربية خلال الاحتلال... فذاك اجتهاد منك وتحدّ، أمّا أن تكون فقيها ومفتيا وبيتك يضمّ مجاهدين... فذاك قمة التحدي! ذاك هو الشيخ محمد الطاهر خبابه،  أحد أحفاد الشيخ لعياضي الذي تلقب الدشرة  باسمه..."أولاد لعياضي" وتقع الدشرة على بعد 3 كلم   شرق دائرة برج الغدير ولاية سطيف سابقا، ولاية برج بوعرريج حاليا. وإذا انتقل الشيخ محمد الطاهر خبابه الى مدينة سطيف في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي  لظروف وطاب له فيها المقام، فإن مسكن جده أحمد لاتزال أسسه راسخة الى تاريخ اليوم ...فرغم قسوة الطبيعة في المنطقة وتبدل الأحوال الاّ أن بركة القرآن لاتزال تحفظ البيت من الزوال.

في قصيدة للشيخ عبد الحفيظ زواوي  يذكر الشاعر- الشيخ أحمد بن خبابه جد الشيخ محمد الطاهر فيقول :


                             سال على حمود من فرسان اللـوم                بن خبابة فــاض بحره يتلاطـم واش تطيـق على ذا البحرمافيه العوم             جلاته عظمـى يثـوروا ما اقـواهم
العـدوي تصفـاه في الساعـة ملزوم                في الجـامع ثمة إخوانوا نلقـاهـم
هـو حاضـر غـا تخفـى بحـر العلوم               داخل في التصريف في البيت معهم.
وكان الشاعر عبد الحفيظ زواوي من خلال الأبيات، يصف فيها علمه ولغته وتبحره في الفقه ومكانته في المجتمع.
فأحمد خبابه جد الشيخ محمد الطاهر: هو  أحد فقهاء المنطقة في عصره...و حسب فريضة حرّرت سنة 1929 نسخة منها محفوظة عند المحامي ع  خبابه. يذكر إخوة أحمد وهم :  1- الدراجي.2- محمد. 3- الساسي. 4-  يحي.5- المبارك  6- المختار 7- أحمد ( الشيخ أحمد ) ابنه مْحمد والد محمد الطاهر + يامنة وابنتها رقية. - 8 محمد الصغير ...9- فاطمة زوجة مسعودي -10  صفية تزوجت في منطقة قنزات بضواحي سطيف وعائلة زوجها  تلقب عيتور. وهناك نسخة من بطاقة التعريف  تعود الى  سنة 1892 للجد أحمد، بن السعيد "القاضي"، بن الساسي "الفقيه" ...وكان عمره آنذاك 21 سنة  اضافة الى عقد بخط يده.والشيخ الفقيه الساسي هو الأخ الأكبر في العائلة للشيخ الفقيه أحمد خبابه  وهم  ليسوا من أم واحدة. كان وقتها الشيخ أحمد بن خبابه مرجعا في الفقه، و بيته مزارا للقراء والطلبة من القرى المجاورة، وكانوا حسب أفراد من العائلة ينظمون حفلات دينية عند ختم القرآن والحديث. وجامع الدشرة  العتيق هو الجامع الوحيد في المنطقة الذي كانت تقام فيه صلاة الجمعة...

ولد الشيخ خبابة محمد الطاهر سنة 1901 ميلادية  بدشرة أولاد لعياضي ببلدية برج الغدير ولاية برج بوعريريج حاليا، وهو من الأشراف إدريسي حسب شجرة للعائلة.


توفي أبوه خبابة مْحمد وتركه في بطن أمه، ثم توفيت أمه سماتي فطيمة التي تعود أصولها إلى مدينة زمورة  بنفس الولاية وهو لم يتجاوز سنتين من عمره. تكفل  به جده أحمد خبابة ورباه أحسن تربية وكونه أحسن تكوين ...حيث حفظ القرآن الكريم وعمره لم يتجاوز سن الحادية عشرة. لم يكتف الشيخ محمد الطاهر بالدراسة عن جده أحمد  بل انتقل فيما بعد الى  مدينة رأس الوادي أين درس الفقه وأصول الدين في زاوية الشيخ بلعيساوي، وتميز عن أقرانه بقوة الذاكرة. سنة 1931،  شارك في مسابقة للإفتاء على المستوى الوطني والتي نُظِمت تحت إشراف العلامة عبد الحميد ابن باديس بمدينة قسنطينة، و فاز بامتياز بالمركز الأول. وشهد له الشيخ ابن باديس بتميزه وتفوقه. وفي نفس السنة عين مفتيا لمدينة سطيف بالجامع العتيق، ولم يعش في مدينة غير سطيف.

عرف الشيخ محمد الطاهر من خلال مسيرته الحافلة  بالنشاط، باعتداله  ورجاحة عقله وهدوئه وتواضعه للناس، وكان مرجعا  لسكان المنطقة بأسرها،  وهو من الزهاد دون رياء. كان  صمته حكمة وكلامه كذلك. كان من المؤمنين  بفكرة فصل الدعوة عن السياسة...قبل أن تظهر التعددية الحزبية في الجزائرويحصل ماحصل.  وربطته علاقة صداقة بالرئيس الراحل فرحات عباس، كما تميز بعلاقته  مع الشيخ محمد  البشير الابراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

كان بيته مركزا للمجاهدين إبان ثورة التحرير الوطنية. فرغم عمله بالمسجد  كإمام ومفتي للمنطقة ...كان يُطلب منه تقديم فتاوى لبعض قضايا المحاكم الثورية. وقد شارك خمسة من أولاده في الثورة وهم: خبابة محمد، خبابة عبد الوهاب، خبابة عبد الحق، خبابة عبد الرشيد، خبابة محمد الحسن، واستشهد ابنه خبابة عبد الوهاب في 16 جانفي 1962 بمدينة سطيف في معركة مع قوات الاحتلال، حيث تعرض البيت الذي كان فيه إلى القصف بعدما رفض هو وأصحابه الاستسلام  والشهيد هو الذراع الأيمن للشيخ الشهيد العيفة المذكور في ملحمة الطيارة الصفراء.


 تعرض الشيخ محمد الطاهر للكثير من المضايقات من قبل الجهاز الأمني الفرنسي، حتى أنه تم اعتقاله لمقايضته بالمحتل بيرقاي الذي تم اختطافه من قبل الثوار. أعياه المرض في السنوات الأخيرة من عمره ، و قبل أن يرحل الى الدار الأخرى  خلف أولادا  وأحفادا وأصهارا ومن بين أصهاره الأستاذ  أحمد شوثري...ومن بين أبنائه  وأحفاده إطارات في الدولة الجزائرية.


توفي يوم 23 ماي 1983 بسطيف ودفن في مقبرة سيدي حيدر في جو مهيب.  إذ حضر جمع غفير من ولاية سطيف ومدن أخرى  لتوديعه  وكان المجاهد عبدالله بلكعلول رئيس قسمة المجاهدين ببرج بوعرريج وأحد طلبة الشيخ عبد الحميد بن باديس من ألقى كلمة تأبينه. عقد ملتقى بمدينة سطيف سنة 2008 يحمل اسمه،  من تنظيم  وإشراف إحدى الجمعيات...  كما أطلق أهل  أولاد صابر  اسم الشيخ محمد الطاهر على مسجدهم والذي يؤمه الشيخ عمار بسطة. رحم الله الشيخ الفقيه وعوض الأمة برجال مثله.


جمع وتقديم نورالدين خبابه
Libellés :

إرسال تعليق

  1. رحم الله الشيخ و أدخله فسيح جناته تحياتي لكل العائلة الكريمة متعكم الله بالصحة والعافية

    ردحذف

[facebook]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.