قصة قصيدة الطيارة الصفراء !


قصة قصيدة الطيارة الصفراء: القصيدة التي أبكت الملايين لشاعرة ترثي شقيقها الشهيد

كلماتها بسيطة جدا لكنها مؤثرة. كل من ينشدها تغلبه دموعه. كان مدربو الكشافة الإسلامية يوقفون التدريبات رأفة بالأطفال. وكانت تعليماتهم: ابكوا في التدريبات لكن لا تبكوا أمام الجمهور الذي يشاهدكم. للحفاظ على قوة التأثير ونقل شحنة المشاعر إلى الجمهور.
صاحبة القصيدة امرأة كفيفة من برج الغدير بولاية برج بوعريريج. عائشة لعيايدة ( 17 ماي 1935 - 10ديسمبر 2010) في رثاء أخيها الشهيد إبراهيم لعيايدة من قرية سيدي منصور قرب جبل عياض. كانت الطائرة T6 تقوم بالاستطلاعات لكشف مواقع المجاهدين لتحديد الأهداف العسكرية. لكنها تتلقى مقاومة من المجاهدين لمنعها من إلحاق أضرار جسيمة بالثوار. عندما تتلقى طلقات من بنادق او رشاشات ترد بقذائف وشحنات من المتفجرات.


سمعت عائشة بان ابراهيم وجماعته اشتبكوا مع الطائرة الصفراء. إبراهيم شقيقها الوحيد. تذكرت يوم التحق بالمجاهدين فرحا مزهوا بشبابه.فارح بالدنيا والى طالت بيه. كان يعتقد أن الثورة مسألة بسيطة تحسم بسرعة ثم يعود لوالديه. يحسبها تفرا ويروّح لمّاليه. تحت وقع القنابل والجو المشحون لا تملك عائشة إلا أن تخاطب الطائرة الوحش. احبسي ماتضربيش. تخاطب الطائرة بلغة البشر. فتخبرها أنها لا تملك إلا شقيقها ابراهيم. امهما توقفت عن الإنجاب.عندي راس اخيّ لميمة ما تضنيش. ثم تلتف لأمها لتعزيها. تتذكر حين كانت ترى أمها تبكي وهي ترى ابنها فرحا بالتحاقه بالمجاهدين. تطلب منها أن تكف عن البكاء: أسّي اسّي يا امّا اسّي ماتبكيش. فترد الأم بأنها تعرف أنه ذاهب للجهاد ولن يعود. طالع للجبل يروح وما يوليش. تتذكر أنه بعد التحاق إبراهيم بالثوار جاءهم ضيف. فرشوا له الفراش لكن علم بوجود الخونة- الحرْكة- فانصرف. حضروا له القهوة لكنه خرج على عجل. القهوة ما شربهاش. تتذكر جنديا آخر جاء يلبس البرنوس. كان هو الشيخ العيفة من مجاهدي سطيف.


ثم تتذكر جنديا آخر بالبرنوس ايضا. لم تتعرف عليه لحظتها.  لكن علمت لاحقا أنه السي عميروش وما أدراك من هو عميروش...عقيد جيش التحرير وقائد الولاية التاريخية الثالثة. أسد جبال جرجرة.شاعت كلمات هذه السيدة الضريرة فكانت تنتقل في المناسبات من عائلة إلى أخرى لتغني أخاها وتترحم على الشهداء. فكانت تحضر الأعراس والمآتم والعزاءات. تعزي نفسها في أخيها وتعزي الأخريات في أزواجهن وأخوتهن. كان من تقاليد العائلات في الثورة تقاسم الأحزان والأفراح والسماع لحكايات الآخرين. وقد شهدت ذلك في عائلتنا الصغيرة. باستشهاد عمي لخضر فني ( الذي يحمل أخي الأصغر اسمه رحمهما الله) صارت زوجته تقول الشعر فيه ( جابت عليه القول) فكانت تنتقل من أسرة إلى أخرى وتغني أقوالها. وكانت كل عائلات الدوار المفجوعة تدعوها لحضور العزاءات والترحم على الشهداء بأقوالها.

انتقلت كلمات الأغنية شفويا عبر الدواوير والمداشر إلى من منطقة إلى أخرى في الهضاب العليا و كان الظرف يدعو أحيانا إلى تكييف الكلمات او الإضافات وصارت تغنيها كل من فقدت أخا او عزيزا في الجهاد. هكذا دخلت التراث السطايفي. كانت سطيف دائما مفتوحة على المحيط المباشر: برج بوعريريج والمسيلة وبجاية وخراطة والميلة. كانت الكلمات سهلة لكن المشاعر المتدفقة كسرت كل الحدود ووحدت كل الجزائريين. الألم يدفع الألم والأسى يبعث الأسى.

تصور القصيدة مشاهد حركية غاية في الروعة. تتحدث القصيدة في مشهد حافل بالتوجس والخوف عن امرأة تفلت من القتل أو تفتش عن القتلى فتمشي متسترة بالوادي فتجد رجلا مختبئا هناك. يعتريها الخوف ظانة أنه أحد عملاء فرنسا يترصدها. يفاجئها بأنه لن يكشفها ويتركها تمر في أمان. قال لي اعقبي مانيشي حركي. تصور القصيدة في مشهد إنساني رهيب امرأة تخاطب الجندي ب"أُخّي" وتعتذر منه لأنها لم تجد مكانا تخفيه فيه. لعل فرنسا كانت تطارده. آ الجندي خويا لا وين نخبيك. لأنها تخشى أن تأخذه فرنسا. خايفة لا تديك.. تتحدث القصيدة عن جنود الشيخ العيفة في طريق فرماتو قرب سطيف. موتى ومجاريح.

مشاهد وصور ملتقطة من زاوية مقربة وبشعور مضخم بالفجيعة لكن بإحساس إنساني نبيل. صور أنثوية عن فجائع الثورة ووقعها على العائلات الجزائرية. خطاب بسيط يعبر عن هشاشة الإنسان الذي يواجه آلة الحرب بصبر وكرامة دون أن يفقد إنسانيته. صور التقطت بروح إنسانية عالية كانت تعكس روح تلك المرحلة. بعد الاستقلال قام بتسجيلها مطرب سطيف الشاب آنذاك عبد الغاني تشير ثم صارت لها شهرة وطنية وغناها كثيرون بعده. ومؤخرا غناها مغنون من الشرق العربي ومن فلسطين تحديدا.

فارح للدنيا وايلا طالت بيه
ويلا طالت بيه
يحسيبوا تفرا ***ويروح لمواليه
الله الله ربي رحيم الشهدا
رحيم الشهدا

الطيارة الصفرا احبسي ما تضربيش
احبسي ما تضربيش
عندي راس اخيّ ***لميمة ماتظنيش
الميمة ماتظنيش

الله الله ربي رحيم الشهدا
رحيم الشهدا

أسّي اسّي يما اسّي ما تبكيش
طالع للجبل نموت *** نموت وما نرديش
نموت وما نرنديش
الله الله ربي رحيم الشهداء
رحيم الشهداء

الضيف اللي جانا ***يكركر في برنوسو
يكركر في برنوسو
ذاك الشيخ العيفة ***وأنامعرفتو
وأنا ماعرفتو
الله الله ربي رحيم الشهداء
رحيم الشهداء

الجندي لي جانا *** وطرحنا لوا الفراش
طرحنالوا الفراش
كي سمع بالحركة *** القهوة ماشربهاش
الله الله ربي رحيم الشهدا
رحيم الشهدااا

الطيارة الصفرا ***غير بدات تدور
غير بدات تدور
عاللي قالولي ***ماتو في البابور
الله الله ربي رحيم ***الشهداء رحيم الشهداء

آ الجندي خويا ***لا وين نخبيك
لا وين نخبيك
فرنسا جات وانا *** خايفة لا تديك
الله الله ربي رحيم ***الشهداء رحيم الشهداء

الجندي اللي جانا ***يكركر فالبرنوس
يكركر فالبرنوس
ذاك السـي عـميـروش*** ونــا ماعـرفـتـوش
ونــا ماعـرفـتـوش
الله الله ربي ***رحيم الشهـداء
رحيم الشهداء

مـشـيــت الـواد الـواد ***ولـقـيـتـو مــتـخبي
ولـقـيـتـو مــتـخبي
قـال لي اعــقـبـي ***مـانـيـشـي حـركــي
مـانـيـشـي حـركــي
الله الله ربي رحيم الشهـداء
رحيم الشهداء

آ طريق فرماتو *** وهب عليك الريح
وهب عليك الريح
جنود الشيخ العيفة *** موتى ومجاريح
موتى ومجاريح

الله الله ربي رحيم الشهـداء
رحيم الشهداء

عاشور فني أستاذ جامعي وشاعر

إرسال تعليق

[facebook]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.