بين الإنشاد الديني والموروث الشعبي، احتل «القصّادة» مكانة خاصة في ذاكرة دشرة أولاد العياضي، فكان حضورهم جزءًا من المناسبات الدينية والاجتماعية، وصوتًا من أصوات التراث المحلي الذي يستحق التوثيق قبل أن تطويه السنون.
كان يُطلق محليًا اسم «القصّادة» على جماعة من الرجال عُرفوا بلباسهم التقليدي الأصيل، من القندورة والشاش والبرنوس. وكان أغلبهم من الجهة العلوية للدشرة، ولا سيما من الشواثرة، وقد اشتهر عدد منهم بحفظ القرآن الكريم، وقوة الذاكرة، وحسن الأداء والإنشاد.
كان القصّادة ينشدون قصائد المديح النبوي ونصوصًا من الموروث الشعبي بأسلوب مميّز، يجمع بين جمال الإلقاء وقوة الإنشاد وانسجام الأصوات. وكانت نبراتهم تتراوح بين الحماسة والخشوع، فتبعث في النفوس مشاعر الاعتزاز والسكينة، وتضفي على المجالس والمناسبات طابعًا خاصًا ظل راسخًا في ذاكرة من عايشوه.
وارتبط حضورهم بالمناسبات الكبرى في حياة المجتمع المحلي؛ فكانوا يشاركون في إحياء الاحتفالات الدينية والمجالس العامة وبعض الأفراح التقليدية، ولا سيما حفلات الزواج، فضلًا عن استقبال الحجاج العائدين من الديار المقدسة. وبذلك كانوا جزءًا أصيلًا من المشهد الديني والثقافي والاجتماعي الذي ميّز المنطقة، وفق ما وصل إلينا من روايات وشهادات.
ذكرى من سنة 1965
لا تزال صورة القصّادة راسخة في ذاكرتي منذ أن شاهدتهم في دشرة أولاد العياضي، لأول مرة وآخر مرة، بمناسبة افتتاح ملحقة مدرسة التهذيب بأولاد العياضي، في منطقة الشواثرة. وأرجّح أن ذلك كان سنة 1965.
كانت الملحقة آنذاك تتكوّن من قسمين فقط، وقد شاءت الظروف أن أكون من أوائل التلاميذ الذين التحقوا بها عقب افتتاحها، وكنت يومها أدرس في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي. ولهذا ارتبطت صورة القصّادة في ذاكرتي بذلك الحدث المدرسي، فأصبحت الذكريات الشخصية جزءًا من ذاكرة المكان نفسه.
وأستحضر في هذا المقام، بكل وفاء، معلم اللغة العربية، المرحوم سي الوردي عقيدة، كما أستذكر معلم اللغة الفرنسية سي الحاج بوساحة، الذي كان يقيم آنذاك بمدينة رأس الوادي. أسأل الله أن يمدّ في عمره ويمتّعه بالصحة والعافية إن كان لا يزال على قيد الحياة، وأن يتغمّده بواسع رحمته إن كان قد انتقل إلى جوار ربه.
في أصل التسمية ودلالتها
يُرجّح أن تسمية «القصّادة» مشتقة من «القصيدة»، لارتباط هؤلاء الرجال بإنشاد القصائد، ولا سيما قصائد المديح النبوي والحِكم ونصوص الموروث الشعبي التي تناقلتها الأجيال شفاهة. غير أن تثبيت أصل التسمية بصورة قاطعة يحتاج إلى مزيد من الشهادات والمصادر المحلية.
ولم يكن دور القصّادة، بحسب ما بقي في الذاكرة الشعبية، مقتصرًا على الإنشاد والترفيه؛ فقد حملت النصوص التي كانوا يؤدونها مضامين دينية وأخلاقية واجتماعية، وأسهمت في نقل منظومة من القيم بين الأجيال، من بينها التديّن والتكافل واحترام الكبار والاعتزاز بالجماعة والانتماء إلى الأرض والوطن.
وكان أداؤهم يقوم أساسًا على قوة الحفظ، وصفاء الصوت، والإيقاع، وانسجام المجموعة، مع حضور محدود للآلات، غالبًا في صورة الدف أو البندير. وقد منحهم هذا الأسلوب في الأداء هيبةً خاصة، وجعل حضورهم جزءًا من طقوس عدد من المناسبات الدينية والاجتماعية.
ذاكرة شفوية مهددة بالنسيان
إن استحضار سيرة القصّادة اليوم ليس مجرد حنين إلى زمن مضى، وإنما هو محاولة لتوثيق جانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي لدشرة أولاد العياضي. فمثل هذه الجماعات الشعبية نادرًا ما تركت وراءها وثائق مكتوبة، ولذلك تظل الصور القديمة وشهادات من عايشوها والروايات المتناقلة داخل العائلات من أهم المصادر التي يمكن الاعتماد عليها لإعادة بناء هذا الجانب من الذاكرة المحلية.
ومع رحيل معظم رجال ذلك الجيل، تصبح الحاجة إلى جمع أسمائهم وصورهم وقصائدهم وشهادات أبنائهم وأحفادهم أكثر إلحاحًا، قبل أن تضيع التفاصيل برحيل آخر من حملوها في ذاكرتهم.
ولذلك فإنني أضع هذه الشهادة بين أيدي أبناء المنطقة، وأدعو كل من يمتلك صورة قديمة، أو اسمًا لأحد القصّادة، أو قصيدة كانوا ينشدونها، أو تسجيلًا، أو وثيقة، أو حتى ذكرى شخصية مرتبطة بهم، إلى المساهمة بها في هذا الجهد التوثيقي. فقد تبدو المعلومة منفردة وبسيطة، لكنها حين تجتمع مع غيرها قد تساعد على استعادة صفحة كاملة من تاريخ المنطقة.
فالقصّادة لم يكونوا مجرد أصوات تنشد في مناسبة عابرة؛ بل كانوا جزءًا من حياة مجتمع وذاكرته الشفوية، وشهودًا على زمن له عاداته وقيمه وطرائق تعبيره. ومن واجب الذاكرة أن نحفظ أسماءهم وما بقي من آثارهم، حتى لا تطويهم السنون كما طوت كثيرًا من تفاصيل الحياة القديمة في قرانا.
الأستاذ عمار خبابه 03 جويلية 2026

إرسال تعليق