Articles by "من الذاكرة"

‏إظهار الرسائل ذات التسميات من الذاكرة. إظهار كافة الرسائل

قبل أن أتحدث  عن الشهيد أحمد المطروش وعن إنجازاته التي حققها في الواقع؛  لابدّ من مقدّمة متواضعة - كأساسٍ لبنيان نتمناهُ، وتمهيدا لسيرة فحلٍ من الفحول، نقدمها كهدية رمزية لمن لا يعرفه من السادة القراء - حتى يأخذوا فكرة عن سيرة الشهيد، والمناخ الذي نشأ فيه، والمنطقة التي صقلت فيها شخصيته واشتدّ فيها عوده  بعيدا عن الغلوّ وبعيدا عن التعميم. لأن الحديث عن  أحمد المطروش،  هو حديث عن إرادة تكسرت أمامها قوة محتلّ غاشم وتهشمت... محتلّ جعل من الجزائر إحدى مقاطعاته لما بعد البحر - وبوابة لافريقيا - تلك القارة السمراء التي تعيش أوربا من خيراتها وكنوزها ومعادنها إلى اليوم...  بينما شعوبها يُقطعها الفقر والاحباط والحرمان- إلى درجة أن  شبابها يقطعون البحار بحثا عن لقمة العيش وعن مستقبل منشود.
وإن جَهِل الناس   إسم أحمد المطروش من قبل، فالعيب  لم يكن في أهله الموجوعين الذين افتقدوه وافتقدوا عددا من الشهداء خلال الثورة التحريرية ومنهم أخوه وأبناء عمومته من عائلة بن درميع، ولا في ابنه الوحيد ناصر الذي ولد في ظروف استثنائية في أولاد تبان... بل في إعلام مستلب فكريا  يُروّج  للتفاهات...  ولبطولات المواقع  الإقتراضية  فيما يتجاهل بطولات الواقع. والعيب في طلبة التاريخ الذين  لم ينقبوا عن سيرة ريح عاصف من أبناء المنطقة.  والعيب في أساتذة التاريخ  من أهل المنطقة الذين يدرّسون طلبتهم عن النملة في غابة الأمازون كيف تبتسم  وبطولات القردة... فيما يتجاهلون سيرة بطل  حقيقي يشهد له العدوّ قبل الصديق... والعيب في المؤرخين،  في منظمة المجاهدين وأبناء الشهداء  لأنهم لم يدوّنوا سير الرّجال وتراجمهم حتى تطالعها الأجيال، والعيب فيمن يتفاخرون بالشهادات من أهل المنطقة فيما لم يؤلف منهم أحد كتابا يعتد به، يؤرخ لمشاركة المنطقة في حرب التحرير أو فيلم يوثق تاريخا مهمشا - مع أن معارك الغدير طاحنة وضارية... دارات رحاها في الجبال  الشامخات الشاهقات.. والوديان، واستشهد المئات وأحرقت المحاصيل الزراعية والبيوت وألقي بعضهم في بئر وهم أحياء. 

إنه  الواقع  المطموس ...الذي نحاول أن نميط اللثام على جزء منه...ذاك الذي عايشه  أهل الغدير  بمشاعرهم وآهاتهم ودموعهم وحسراتهم وهم يفقدون أسدا بعد آخر...رواه لنا آباؤنا والدموع تسكب،  وأمهاتنا تقصه علينا قبل النوم...يوم أن كنا محرومين من الهاتف والتلفاز والكهرباء والمذياع . تاريخ:  سطرته الجبال والشعاب،  والسهول والتلال والحقول، والمخابئ والمراكز. سطرته الدّماء والأوجاع، سطره التعذيب الجسدي والنفسي، سطرته السجون والزنازين في قصر الطير، سطره الحرمان والظلم والقهر.

أحمد المطروش، ذاك الصنديد الذي تخافه الأفاعي ، تخافه الضباع ، وتخافة البغاث البشرية التي استأسدت في غياب الرجال، تخافه العقارب... يخافه العملاء والجواسيس...والوشاة...  

 كنت قد تحدثت مع ابنه ناصر منذ عدّة سنوات عبر الهاتف وأرسلت له مراسيل... وكان ذلك قصد أن أخصّ الشهيد البطل  برواية  تكون في مقام الرجل،  و بداية لفيلم أو مسلسل  يخلد  ليس إسم أحمد المطروش  وبطولاته فحسب بل إسم المنطقة التي عانت من ويلات الاحتلال عبر العصور ومن التهميش... ومع ما قدمته من تضحيات مختلفة... لم تنل  الغدير المكانة التي تستحقها...كيف لا وهي  تحمل آثارا وكنوزا رومانية تحتاج الى دراسة وتنقيب...وهي أقدم من ولايات ناشئة... وعلى ترابها درات معركة قرن الكبش ومعركة تا فرنت ومعارك أخرى...كبد فيها جيش التحرير دروسا لقوات الاحتلال.

أن يحبّك الناس لمالك أو جاهك وسلطانك أو لمصلحة...  فذاك شيء إعتاده الخلق خاصة في عصر المادّة والمصالح.  وأن يبتعد عن طريقك الانتهازيون   والأنذال ويلوون أعناقهم... ويتنكرون لمعروف أسديته لهم وقت الحاجة، أو خدمة قدمتها وهم في حال ضعف...وينسون على السريع فضلك، و كيف كنت تترك أشغالك وعائلتك وأنت تسعى لإرضائهم وخدمتهم  على حساب صحتك ووقتك وجيبك وراحتك... وقد كنت  وزيرا أو مديرا أو ضابطا  أو قاضيا  أو سفيرا أو رئيس مصلحة... فذاك شيء يعرفه المجرّبون...

أمّا أن يحبّك الناس لبطولتك وشجاعتك، وشهامتك وأنفتك ونبلك وإيثارك... ودفاعك عن المستضعفين  أمام إمبراطورية  عمياء مختلة...سفت البلدان سفا...رغم عوزك وفقرك وحرمانك... بل بسكين بوسعادي  وتظل الأجيال من بعدك تلهج بذكرك...وتجعل منك القدوة في الشجاعة والإقدام  و أنت تسقي الوطن بدمك لتحريره من الغزاة... وتسطر أروع الملاحم.  لاتهاب الصعاب ولاتعبأ بالمثبطات وتشق الجبال شقّا بإرادتك في الليالي الحالكات، وتجبر المحتل وأذياله لطأطأة الرؤوس ويجرون معهم الخيبة  والكآبة... فذاك شيء لا يقدر عليه أرباع الرجال.

هو إذًا أحمد المطروش بكلّ تواضع، الأسد الهصور، النسر الجارح، الفارس المغوار. ولد أحمد بن درميع المدعو المطروش سنة 1925 ميلادية حسب الحالة المدنية تزامنا مع بداية تحول عالمي لازالت تداعياته سارية الى اليوم، أحدثته الحرب العالمية الأولى  وأعقبتها اتفاقيات سايكس بيكو...وفيه بدأ يبزغ نور الحركة الوطنية التي قادها  الأمير خالد و جمعية العلماء وحزب الشعب فيما بعد...وكان من بين أعضاء جمعية العلماء  في المنطقة الشيخ محمد خبابه المدعو بالي  وأبناءه الشهيدين محمود وعبد الحميد، والمجاهد عبد الله بلكعلول وآخرين سنعود اليهم بالأسماء والتفاصيل  في موضوع منفصل من طلبة بن باديس ...والسيد رابح مروش الصديق الحميم لمحمد بوضياف...وشخصيات أخرى.

أبوه هو السيد  محمد بن درميع وهو من أصول عربية. نشأ أحمد بن دريميع المدعو المطروش كما نشأ أغلب أقرانه في عائلات بسيطة وفقيرة...يعيشون   من الفلاحة ويرعون المواشي ...وبدأ يكبر ومعه يكبر الأمل وتقوى العزيمة...إلى أن أصبح شابا. لم يدرس أحمد المطروش في المعاهد ولا في الجامعات، بل درس في جامعة الحياة...حيث الطبيعة والهواء النقي. كان يرى بعينه المجردة الأشياء على سريرتها... وكيف يستولي الكولون على أراضي المواطنين ومحاصيلهم  الزراعية وكيف يستخدمونهم وكيف يستعبدونهم ويحتقرونهم...فتولدت عنده روح الحمية والانتقام لابناء الشعب المقهورين.

 أحبّه أهل الغدير وغيلاسة وأولاد حناش وأولاد تبان  ورأس الوادي وعين ولمان وعين أزال، في برج بوعرريج وفي سطيف وحتى في المسيلة، وأين خاض معاركه ...أحبته البوادي، أحبته الجبال، أحبته الأعالي، أحبه  الشيوخ والأطفال، وفوق كل هذا أحب هوالجزائر... وفداها بروحه. أحبته البندقية، أحبته القشابية الملونة، أحبّه السكين البوسعادي ...أحبته العصا وهي تطرق رؤوس من عصى، أحبته المزّامنة والرخساس، أحبه اللبن الصافي...  والحبّ لا يأتي بالإكراه يا سادة !

 كيف لا يحبونه وهو الذي كسر خيشوم المحتل  في المناطق الوعرة التي كانت تقذفها الطائرات بالحمم والغازات، و تحرق الحقول وتدكّ البيوت؟   يحبونه بعملياته المباغتة التي  لم تنتبه لها رادارات المحتل، ولم يسمع بها   عسسه الذين كانوا يتبوّلون عند مروره. يحبونه لأنه دافع عن سيادة الوطن المهدورة باختصار، وأراد العزة للجزائر ولشعبها أو الشهادة..فنالها.

 أحمد المطروش: إذا سمعت صوته النساء تحجّبن لرهبته، وإذا سمع صوته الأطفال ناموا...فقد كانت النساء تخوفن به أطفالهن عندما يعصيهن. "أسكت لا يجيك أحمد المطروش". هو ذاك أحمد المطروش: إبن البادية.  والبادية عرين الرجولة والصمود، عرين الشهامة والكرامة... فيها صقلت شخصيته ومن هوائها تسرب خياله...ولد في قرية أولاد سيدي سعيد، تلك القرية التي أبت الاّ أن تكون في أعالي دائرة برج الغدير جنوبا،  وكانت ولاتزال  شامخة شموخ أحمد المطروش وأبطال المنطقة... تقابلها قرية الدشرة وجبالها  الشاهقات في الجهة الشرقية...وأعلاها القليعة التي انتصبت كحصن منيع يعبر عن رسو وجذورالغدير.

 وقد تميز أحمد  المطروش في خلقته عن باقي الخلق، ليس بسمرته ولا بطوله وعرضه ولا بشعره ووسامته... بل بعين  خضراء وأخرى سوداء...ويا لها من علامة فارقة...عندما تلتق في جسم رجل ليس ككلّ الرجال، وكأنها علامة تميز بين الجنة ذات اللون الأخضر  وجهنم  ذات السواد الداكن؟ 

لم يدخل جامعة سان سير الحربية في فرنسا التي درس فيها بعض الضباط  الذين رهنوا مصير الجزائر فيما بعد...ولم يشتر شهادة عليا كماهم أبناء بعض المسؤولين ... لكنه كان جامعة  متنقلة تحمل علوم شتّى. تبدأ بالارادة  والعزم  والتوكل على الله ، ثم التخطيط والاستراتيجية ... وتنته بالتجسيد على أرض الميدان، تجسيد يربك العدو ويفاجئه في عقر داره ويسرّ الصديق... فتجمع تجربته بين القول والفعل وبين الارادة والعزم  وتترك التاريخ لأهله يدونون مايشاؤون... وقد  اصطفاه الله أن يكون من القلة النادرة التي يساوي فيها رجلا  ألفا ...حيث واجه دولة بحجم فرنسا. تلك الامبراطورية التي كانت تحتل دولا وشعوبا وبحماية ومساعدة من الحلف الأطلسي...  ويحقق حلم الأجيال التي لطالما حلمت باستقلال الجزائر.

وكغالبية أبناء الغدير كان يرعى الأغنام ويعمل أحيانا في البناء أو في الفلاحة وتنقل من مقر سكناه الى العاصمة...ومن الغرابة أنه كان يركب القطار دون أن يقوم بتسديد تذكرة السفر وهي اشارة لعدم الاعتراف بالمحتل وبنظامه...وكان يصعد أحيانا فوق القطار ...في حركة فاقت المألوف.

لقبُ المطروش الذي لازمه في حياته وبعد استشهاده،  أطلق عليه وصفا لسلوكه الذي كان يتخذه كتمويه من جهة ... وليس لأنه كان معتوها أو مختلا عقليا... ومن جهة أخرى - كان رجلا مقداما  لايهاب الصعاب ومن كثرة تحديه  ومغامراته حمل ذلك اللقب ...و كان اللقب مساعدا له في الواقع. يختار حركات تدفع المحتل للإعتقاد  بأن أحمد مرفوع عنه القلم "مطروش"  في لباسه الرث المتسخ  وحركاته وسكناته وطريقة تحديه وإتقانه لفن التظاهر والتمثيل لابعاد الشبهة ...وفي لحظة الغفوة  يقوم أحمد بعمليته التي تقصم ظهر المحتل وتوجعه وتجعله في حالة ضياع وتيهان...وكم كان سيفا على الخونة والمتواطئين الذين أرادوا الذلة لشعب أراد العزة...

قبل أن ينضم الى جيش التحرير كان في الغالب من يريد الانضمام لابد عليه أن يقوم بعملية فدائية ويعول على سلاحه...لأن الجيش لم يكن جيشا نظاميا...ولم تكن هناك ثكنات كما هي الجيوش النظامية العصرية بل كان جيشا مقاتلا في ساحات الوغى...والولايات لها شبه استقلال ذاتي.اختار أحمد المطروش سرقة كميات من البارود الذي كان يستخدم للمتفجرات - وتكسير الصخور لتوسعة الطريق بين برج الغدير وأولاد حناش... وكذا بين الحضنة  والغدير ...ومن سوء حظه  قبض عليه بعد أن نجح في المرات الأولى بإخراج كميات من المتفجرات... وكاد أن يعدم لولا فضل الله الذي أنجاه. فحسب شهادات من عايشوه في المنطقة...كانت قوات الاحتلال تنوي إعدامه...في بلدية الغدير لكنه أفلت منها  بأعجوبة  بعد أن فر من المكان الذي كان محتجزا فيه ...ومن ثمة التحق مع أخيه وابن عمه  بإحدى الكتائب المحصنة في جبال أولاد تبان لقيادة الولاية الأولى  شهر جوان سنة  1956. وكان من جنده في صفوف جيش التحرير ابن عمه والمجاهد عمار دهان.

 بداية أعماله العسكرية كانت في برج الغدير، ومن ثم انتقل الى أولاد تبان وسطيف...كان يهوى العمل الفردي للإفلات من مراقبة العدوّ ولأنه صاحب مبادرة ويصعب عليه العمل الجماعي، ونظرا لتعقيدات أمنية وعسكرية وكذا  تضاريس الناحية...و من شدة تعطشه للحرية  والمغامرة كان... خارج عن القاعدة...حيث قام مسؤولوا الناحية بعد اقتناعهم بقيامه بعمليات نوعية لايقدر عليها الاّ الجن أحمد المطروش، أن يعطوه رخصة لم تعطى لأحد غيره...وهي أن يتنقل بحرية فكان  مستقلا...يبادر متى شاء وأينما شاء ووقتما شاء وهذا باتفاق مع المجموعة من خلال تقسيم الأدوار وكان مختصا في تصفية الخونة بسكينه البوسعادي.

كان أحمد المطروش  يتظاهر بأنه متسول تارة ومجنون تارة أخرى  في نواحي سطيف ووسط المدينة والأماكن التي يقوم فيها بالعمليات الفدائية... يرتدي أثوابا بالية  وبرنوسا ممزقا  ومتسخا  يحمل رائحة  ولعابه يسيل ...وحركات بهلوانية... بغية إبعاد عين المراقبة عليه وحتى يفتك بالعدو، ويحمل معه سكينه البوسعادي مع بعض القنابل اليدوية ورشاش.

من عملياته المسجلة والمنسوبة إليه: الاستيلاء على المتفجرات  بأولاد حناش. إلقاء قنبلة في حانة السيدة قرينة ببرج الغدير. تصفية مجموعة من الخونة في سطيف، رأس الوادي، أولاد تبان، عين أزال، عين الحجر، عين ولمان.الهجوم على مركز للخونة بأولاد خلوف. قتل مجموعة من الكولون، تهريب مجموعة من البقر والعجول والمواشي في عدد من الأماكن وتسليم جزء منها للمواطنين وكذا ذبحع البقية للمجاهدين في أولاد سيدي منصور وأود حناش وأولاد تبان . قيامه بعشر عمليات مهر لزوجته، تهريب زوجته وابنه من المعتقل في عملية فدائية، هروبه من سيارة جيب قبل محاولة إعدامه...هروبه من السجن، وعدد آخر من العمليات بالشهود والأسماء ...سنعود اليها بالتفاصيل في رواية خاصة تحمل إسمه   أتحدث  فيها عن تاريخ منطقة الغدير..ترقبوها خلال العام القادم بحول الله. نورالدين خبابه 07 جويلية 2020

الشهيد لخضر بشان بن محمد وبوختالة السعدية، ولد سنة 1930 بقرية تيويرة بلدية برج الغدير ولاية برج بوعريريج، وسط عائلة ميسورة الحال تعتمد في حياتها على الفلاحة التقليدية وتربية المواشي. ترعرع الشهيد وتربى في طفولته الأولى تحت كنف والديه، وشاءت الأقدار أن يختار الله والدته إلى جواره  وهو لم يبلغ سن الرشد، فوجد من جدته والدة أمه فاطمة بلعياضي الحضن الدافئ ، فقد كانت تتردد باستمرار على منزل العائلة لشدة تعلقها به. وباعتباره الإبن البكر، فقد تحمّل المسؤولية إلى جانب والده في الكثير من الأعمال الفلاحية ، والرعي كبقية أقرانه، في تلك المنطقة، نظرا لصعوبة الحياة وشظف العيش.

 بدأ تعلم الحروف الأولى، في كتاب القرية، بمسقط رأسه، وهو لم يتجاوز سنّ الخامسة، على يد الشيخ المسعود بلعقون، ومن بعده الشيخ البشير مسعودي، اللّذين حفظ على يديهما كتاب الله، كما أخذ على يدي الشيخ أحمد بن مخلوف دروسا في الفقه وعلم الفرائض، وحفظ متن ابن عاشر، وكتاب الأجرومية في قواعد اللغة العربية. استفاد قبل ذلك من الدروس التي كان يلقبها الشيخ العلامة موسى الأحمدي نويوات، رحمه الله ، باعتباره أول مرشد ومعلم وإمام للصلوات الخمس بمسجد القرية، والذي لفت انتباهه ذكاء الشهيد، وقدرته على الاستيعاب، وقابليته للتحصيل. 

قبل أن أبدأ حديثي عن مجموعة أولاد عبد الواحد، أعرف أن هناك بعض المتفيقهين... ولذلك يجب أن يعلم من يقرأ كلامي أن ما أصفه واقع عايشناه وليس عقيدة نحملها...فيجب التفريق بين المسألتين...وما أقوم به يدخل في إطار التدوين للأحداث...لاسيما والكتابة في المنطقة تكون شبه نادرة.

لم أكن أعرف شيئا عن قبيلة أولاد عبد الواحد برأس الوادي، ولاية سطيف سابقا، ولاية برج بوعرريج حاليا.  كيف اختارت  تلك البقاع كموطن لها ... ؟ ولا عن أصولها ومعتقداتها وخلفياتها... ولا عن تشابه الأسماء للقبائل العربية التي سكنت قلعة بني حماد  وتحصنت فيها وامتد حراكها  إلى أم البواقي ...ومنهم من سكن فرجيوة ولاية ميلة. وأذكر:  أولاد تبان، أولاد حناش، أولاد مخلوف، أولاد سالم، أولاد سيليني...الخ. وكل ما أتذكره  وأنا طفل صغير عن أولاد عبد الواحد ... كنا نطير فرحًا  عند قدومهم إلى قرية الدشرة التي أنحدر منها ...

في بداية التسعينيات من القرن الماضي، كنت أشتغل في ثانوية الغدير قبل أن تحمل لقب مالك بن نبي. وكان خليل طرش أستاذ في الفرنسية يشتغل هناك، وهو رجل فاضل...وذو أخلاق رفيعة.كان لاعبا محترفا في كرة القدم... لمن لايعرفه.  توفيت والدته رحمها الله في تلك السنة ...ولمن لايعرف العائلة... هي مسلمة فرنسية الأصل ومن أخيار الناس في الغدير تربية وأخلاقا.
وحتى أضيف، كانت لها بنت معلمة تخرج بالحائك الى مدرسة طرش ..قبل ظهور الحجاب المنتشر اليوم...والمدرسة لا تبعد عنها كثيرا ...وكل أبناء الغدير الذين عاصروها يعرفون ذلك.


قصة قصيدة الطيارة الصفراء: القصيدة التي أبكت الملايين لشاعرة ترثي شقيقها الشهيد

كلماتها بسيطة جدا لكنها مؤثرة. كل من ينشدها تغلبه دموعه. كان مدربو الكشافة الإسلامية يوقفون التدريبات رأفة بالأطفال. وكانت تعليماتهم: ابكوا في التدريبات لكن لا تبكوا أمام الجمهور الذي يشاهدكم. للحفاظ على قوة التأثير ونقل شحنة المشاعر إلى الجمهور.
صاحبة القصيدة امرأة كفيفة من برج الغدير بولاية برج بوعريريج. عائشة لعيايدة ( 17 ماي 1935 - 10ديسمبر 2010) في رثاء أخيها الشهيد إبراهيم لعيايدة من قرية سيدي منصور قرب جبل عياض. كانت الطائرة T6 تقوم بالاستطلاعات لكشف مواقع المجاهدين لتحديد الأهداف العسكرية. لكنها تتلقى مقاومة من المجاهدين لمنعها من إلحاق أضرار جسيمة بالثوار. عندما تتلقى طلقات من بنادق او رشاشات ترد بقذائف وشحنات من المتفجرات.

تشاء المقادير أن يولد عبد الوهاب خبابه سنة 1937، في مدينة سطيف. السنة التي ظهر فيها حزب الشعب الجزائري بقيادة مصالي الحاج، وبعد قرنٍ من احتلال الجزائر واحتفال فرنسا بسيطرتها الكاملة على أراضيها،  وجعل الجزائر إحدى مقاطعاتها فيما بعد البحر... وسنوات قبل مجازر ماي 1945 الأليمة التي راح ضحيتها عشرات الآلالف من الجزائريين.

سطيف العالي: مدينة؛ لم يختر عبد الوهاب الميلاد فيها، ولكن أحبها والده الشيخ  المفتي محمد الطاهر خبابه إمام المسجد العتيق،  لطيبة أهلها المعروفين بالشهامة والوفاء والكرم... وطاب له المقام فيها ، فكانت مسكنه وملاذه  ولم يبدلها الى غاية وفاته وترك فيها أبناء وأحفادا. 

ولد المجاهد  عبد الحق خبابه  سنة  1940 ميلادية  بمدينة سطيف.
 ابن الشيخ  الفقيه والداعية  محمد الطاهر خبابه مفتي الديار السطايفية وإمام المسجد العتيق، وأخ المجاهد كمال خبابه  رئيس بلدية سطيف سابقا  وكذا الشهيد عبد الوهاب خبابه. وعائلة خبابه كبيرة وعريقة وتعود أصولها الى برج الغدير  وبالضبط إلى  قرية أولاد لعياضي التي  نشأ فيها والد المجاهد،  الشيخ محمد الطاهرواشتد عظمه. وفيها  أكثر من 10 شهداء - منهم الشهيد المسعود خبابه، عبد الحميد...الخ.  وكان أحمد خبابه  جد عبد الحق من أبيه أحد فقهاء المنطقة  قبل فترة الاحتلال  وهو من درس الشيخ  محمد السعيد طرش صاحب الزاوية...ومن العائلة الكبيرة  القاضي السعيد بن الساسي بن خبابه.

وجب علينـا أن ننصف الأموات ، وأن نتحدث بآثارهم وأن نترحم عليهم وأن نذكر خصالهم النبيلة ، وأعمالهم الخالصة ، وحسن تجاربهم في معترك الحياة ، وأن نتوقف قليلا وفي كل مناسبة من المناسبات الوطنيـة لإحيائهـم ،وإعادتهـم إلي ذاكـرة الأجيال الحاليـة ليستنيروا بخلاصة تجاربهـم ، فنقضي على النسيان ، فيعـود حاضرنا مستمدا قـواه من ماضي الرجال الفلاطحة الذين رسموا حاضرهـم، ومن بينهـم المرحـوم محمد الشـريف بـوسام بن احمـد .

ولـد المجـاهد: يوم 21 جويليـة سنـة 1924 م بقـرية أولاد لعيـاضي﴿ الدشــرة﴾بالمنطقـة المسمـاة الزيـلال قـرب منبع المـاء الملقب ب ﴿عين الرقـادة ﴾، وكـان ميلاده بمثـابة السراج المنيـر في الليلـة الحالكـة بالنسبـة لأفـراد العائلة ,طالبيـن من الله عـز وجـل أن يجعلـه من الذريـة الصالحـة والطائعة والحافظـة لكتاب الله تعالى .

  حياته وشخصيته :
هو عبد الكريـم ابن المسعود بن محمد بن عبد الرحمان بن علي بن محمد بن عبد الرحمان بن المسعود بن أحمد بن منصور الجوزي بن عياد بن أحمد بن منصور ( كما جـاء في سلسلة النسب المحررة في الشجرة التي وجدت نسخة لها عنـد  والده المسعود بتاريخ  12 محرم  1395 هجرية  ) ، لقبـه  العقون ، وأمـه  فاطمـة الزهراء بنت عمار بن الزيـوش ، ولد بقرية  ( لعقاقنـة )  من قرى بلديـة برج الغدير سابـقا سنـة 1918م، وفيها قضى صباه وطفولته  .

كان والـده الشيخ المسعود ممن تعلموا بدشـرة أولاد لعياضي عن الشيخ السعيد ابن الأطرش فحفظ عنه القرآن وتعلم الفقه واللغـة ، كما درس بالدشـرة  أيـضا جده الشيخ عمار ابن الزيوش وتعلم فن التجويد ، وقد كانت والدتـه فاطمة الزهراء -  التي توفيت عنه وهو صغير _ تحسن القراءة والكتابة وتحفظ ثلاثة أرباع القرآن الكريم ، وقد لقبها الشيخ السعيد ابن الأطرش (بالسيــدة).

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.