أحدث التدوينات


لم تكن كرة القدم في أحياء برج الغدير مجرد لعبة، بل كانت جزءًا من ذاكرة المكان وروح التنافس بين شبابه. ومن الحي «الفوقاني» إلى الحي «اللوطاني»، بقيت أسماء اللاعبين والمباريات ودورات ما بين الأحياء شاهدة على زمن صنع فيه الشباب فرحتهم بإمكانات بسيطة وذكريات لا تزال حية بعد عقود.

ذكريات الحي «الفوقاني» في مواجهة الحي «اللوطاني»...

وتهزّني ذكرى المروءة والندى

بين الشمائل هزّة المشتاق...

حين سألني أحد الشبان، بفضول كبير، عن سر وأصل تسمية فريق حينا لكرة القدم IRF:

I: الاتحاد

R: الرياضي

F: لفاقة (بثلاث نقاط فوق القاف)

اهتزت المشاعر، وجالت الأفكار والخواطر، وتذكرت بيت شاعر النيل الكبير حافظ إبراهيم المدوّن أعلاه، وما حمله سؤال الشاب من ذكريات جميلة لخصال وشمائل أبناء وسكان أحد أول وأقدم أحياء بلدتنا الغدير، حي أول نوفمبر 1954، الذي حمل هذه التسمية غداة الاستقلال، تبركًا بثورة التحرير المجيدة وتضحيات شهدائنا الأبرار.

تحفظ الصور القديمة ما تعجز الذاكرة أحيانًا عن الاحتفاظ بتفاصيله، وتعيد إلى الواجهة وجوهًا وأحداثًا طواها الزمن، لكنها ظلت حاضرة في الوجدان. ومن بين وجوه القرية التي بقيت راسخة في الذاكرة، عمي السعيد وابن عمه محمد، رحمهما الله؛ رجلان من جيل عاش ظروفًا قاسية، وترك وراءه حكايات إنسانية تستحق أن تُروى وتُنقل إلى الأجيال.

كانا من جيراني، وتعود هذه الصورة التي تجمعهما إلى أواخر ستينيات أو مطلع سبعينيات القرن الماضي. وقد جرى تحسين جودتها حفاظًا عليها، بوصفها وثيقة بصرية وشاهدًا على جانب من الذاكرة الاجتماعية والإنسانية للقرية.

 

بين ألم الغربة ومرارة الفقد، يستعيد الكاتب سيرة أحد أفراد عائلته، فيرسم لوحة إنسانية عن الوفاء، وصلة الرحم، والذكريات التي تبقى حية حتى بعد الرحيل.

بلغني للتو خبر وفاة أحد أبناء عمومتي، وهو من كبار العائلة الكبيرة، ممن ربطتنا بهم صلة القرابة والمحبة، وزادت أواصرها قوةً عبر مناسبات ومحطات كثيرة جمعتنا.

البارحة فقط، وأنا أراجع صورة القرية، كنت أستعيد تفاصيلها شبرًا شبرًا، وأتجول في بساتينها القديمة وواديها، وأماكن السباحة ، وأرتشف من ماء الشرشارة والعنصر،واجمع حبات التوت ... وأتأمل زوايا البيت الذي بُني في سبعينيات القرن الماضي، وأستذكر أيام الخروب.

كنت أستحضر جنان الحاج الصغير، وعنزاته التي كان يراقبها عن بُعد بمنظاره، وأمشي بخيالي على حافة الساقية، من منبعها إلى غاية الزناد، وأستعيد رحلة الحاج إلى الهند وباكستان في السبعينيات، وأتذكر سيارة السيمكا الحمراء... ولم يخطر ببالي أن تلك الذكريات ستكون مقدمة لخبر موجع.

غادرنا اليوم بعد معاناة مع مرض ألزهايمر، وقد آلمني كثيرًا ما رأيته من حاله في آخر مكالمة جمعتني به.


بين الإنشاد الديني والموروث الشعبي، احتل «القصّادة» مكانة خاصة في ذاكرة دشرة أولاد العياضي، فكان حضورهم جزءًا من المناسبات الدينية والاجتماعية، وصوتًا من أصوات التراث المحلي الذي يستحق التوثيق قبل أن تطويه السنون.

كان يُطلق محليًا اسم «القصّادة» على جماعة من الرجال عُرفوا بلباسهم التقليدي الأصيل، من القندورة والشاش والبرنوس. وكان أغلبهم من الجهة العلوية للدشرة، ولا سيما من الشواثرة، وقد اشتهر عدد منهم بحفظ القرآن الكريم، وقوة الذاكرة، وحسن الأداء والإنشاد.

كان القصّادة ينشدون قصائد المديح النبوي ونصوصًا من الموروث الشعبي بأسلوب مميّز، يجمع بين جمال الإلقاء وقوة الإنشاد وانسجام الأصوات. وكانت نبراتهم تتراوح بين الحماسة والخشوع، فتبعث في النفوس مشاعر الاعتزاز والسكينة، وتضفي على المجالس والمناسبات طابعًا خاصًا ظل راسخًا في ذاكرة من عايشوه.

وارتبط حضورهم بالمناسبات الكبرى في حياة المجتمع المحلي؛ فكانوا يشاركون في إحياء الاحتفالات الدينية والمجالس العامة وبعض الأفراح التقليدية، ولا سيما حفلات الزواج، فضلًا عن استقبال الحجاج العائدين من الديار المقدسة. وبذلك كانوا جزءًا أصيلًا من المشهد الديني والثقافي والاجتماعي الذي ميّز المنطقة، وفق ما وصل إلينا من روايات وشهادات.

 

نصٌّ أدبيٌّ نابض بالحنين، يستحضر ملامح الطفولة والبلدة الجزائرية بكل تفاصيلها الأصيلة، حيث تتحول الذاكرة إلى وطنٍ موازٍ يسكننا مهما ابتعدنا عنه.

سلامٌ على البلدة من بعيد!

سلامٌ على البلدة التي لا تزال تحنّ إلى أبنائها.

سلامٌ على المعمّرة التي استخدمنا فيها الصمغ والقلم، ومحونا فيها الألواح، وكتبنا عليها أولى الآيات.

سلامٌ على المشايخ الذين رطّبوا أسماعنا بالتكرار، وربّوا فينا هيبة ووقار الكلمة... ودرّبونا على الاحترام.

سلامٌ على البرانيس البيضاء، وعلى الحائك واللثام... وعلى الصفاء والنقاء.

سلامٌ على الجبال التي علّمتنا الصمود والكبرياء، والثبات عند العواصف.

سلامٌ على أرامل الشهداء الذين غرسوا فينا الوفاء.

سلامٌ على الأمهات اللائي علّمننا الطهارة، وعلى الآباء الذين بعثوا فينا الأنفة.

صورة عيسى بوسام في مناسبة وفاة البشير ابن أخت نورالدين خبابه، توثق لحظة عائلية قبل الرحيل.
لم تطاوعني المفردات أن أكتب وداعًا كما اعتاده الناس، ولا أن أنسج تعزيةً نمطيةً تشبه ما سبقها في البرود.

منذ سماع خبر رحيلك يا عيسى بوسام، وأنا أتمتم في داخلي، أبحث عن رحمٍ فكّكته الأحداث؛ شارد الذهن في غربةٍ محتومة لا تُشبه إلا نفسها:

بيوتٌ عاريةٌ من الحرارة الأسرية، ووجوهٌ لم تعد تشبه ما تركناه خلفنا. تبعثرت ذاكرتي بين خبر الوفاة وصوتٍ قديمٍ يناديني من زمنٍ انقطع حبلُه.

أتلمّس حروفًا مجروحةً تشبه هذا الوجع النبيل، تتكئ على عصا التواصل التي قطعتها التكنولوجيا — تلك التي اعتقدنا أنها تقرّب المسافات، فإذا بها تُباعد الروح.

Author Name

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.