زاوية الشيخ أحمد بن خبابه في منطقة برج الغدير... ذاكرة تكاد آثارها تختفي!
في هذا المكان، الطاهر طهارة أصحابه، قامت، بحسب ما توارثته الذاكرة المحلية والعائلية، أول زاوية في منطقة برج الغدير، ومنها مرّ عدد من فقهاء المنطقة ومعلّميها.
ومن أبرز من درس فيها الشيخ محمد الطاهر خبابة، الذي انتقل إلى سطيف في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وأصبح لاحقًا مفتيًا على مستوى الشرق أيام الشيخ عبد الحميد بن باديس. وكانت تربطه علاقات بالشيخ البشير الإبراهيمي وفرحات عباس. وهو والد الشهيد عبد الوهاب خبابه، الذراع الأيمن للشيخ الشهيد العيفة، ووالد المجاهد والمحامي الراحل عبد الحق خبابه. كما تولّى الإمامة في المسجد العتيق.
وكانت بداياته العلمية في هذه الزاوية، حيث درس وحفظ القرآن على يد جدّه الشيخ أحمد بن خبابة، أحد فقهاء المنطقة.
ودرس في الزاوية كذلك الشيخ السعيد بالأطرش، الذي أسّس زاوية بعد وفاة المشايخ، وكان ابنه عضوًا في جمعية العلماء ورئيس مكتبها في ولاية برج بوعريريج أيام ابن باديس. كما تخرّج فيها عدد من مشايخ القرية الذين أصبح بعضهم، فيما بعد، معلّمين، وأسهموا بدورهم في تعليم أجيال أخرى اللغة العربية والفقه.
وكان الحاج السعيد طرش، الحفيد، صهرًا للشيخ محمد الطاهر خبابة، في صورة تعكس أيضًا الروابط العائلية والعلمية التي كانت تجمع رجال المنطقة.
وبالقرب من هذا المكان كانت توجد عين رقراقة، يتوضأ منها الطلبة الوافدون لدراسة القرآن والفقه والحديث، وقد استمر تدفق مياهها إلى غاية الثمانينيات.
وكانت الزاوية فضاءً للحفظ والتحصيل، حيث كان الطلبة يتدرجون في حفظ القرآن ودراسة المتون.
ولهذا المكان صفحة أخرى مؤلمة من الذاكرة؛ إذ ترتبط به أيضًا قصة الشهيد المسعود خبابة. وهو شقيق الشيخ الطاهر خبابة، الذي أصبح بعد الاستقلال إمامًا للقرية، وظل في مهمته إلى غاية تقاعده، وكان قبل ذلك كاتبًا للشهيد محمد القيرواني.
وفي المكان نفسه أُلقي القبض على الشهيد المسعود، عندما حاول التسلل من الباب السفلي الذي كان يتجه نحو الوادي، وبجانبه نخلة.
هذه الوقائع، بما تحمله من تفاصيل، تستحق أن تُفرد لها مادة مستقلة بعد استكمال الشهادات وتدقيق المعلومات.
المؤسف اليوم أن آثار هذه الزاوية تكاد تندثر، بل إن معرفة موقعها وتاريخها هي الأخرى تتلاشى من ذاكرة الأجيال الجديدة، ولربما أصبح من يجهلها أكثر ممن يعرفها. ومع اختفاء المكان ورحيل كبار السن، نخشى أن تضيع معه أسماء وصفحات كاملة من تاريخ المنطقة.
وهنا أتذكر مقولة كان والدي، رحمه الله، يرددها محذرًا من ضياع العلم وأهله:
«إذا بقي الحال على ما هو عليه، فسيأتي زمان تطلبون فيه الأجانب ليعقدوا لكم ويصلّوا بكم صلاة الجنازة».
ربما تبدو العبارة قاسية، لكنها كانت تعبّر عن خوف جيل كامل من انقطاع سلسلة التعليم الديني وضياع ما بناه السابقون.
لهذا لا نكتب اليوم حنينًا إلى الماضي فحسب، بل رغبةً في توثيقه قبل أن يختفي آخر شهوده وآثاره. ومن لديه معلومات أو وثائق أو صور، أو يعرف شيئًا عن هذه الزاوية ومشايخها وطلبتها وعينها الرقراقة، فنرجو منه التواصل معنا، حتى نستطيع استكمال هذه الصفحة من تاريخ برج الغدير وتوثيقها بما تستحقه من دقة وأمانة.
نورالدين خبابه





