من ذاكرة برج الغدير... أعراس الختان وعبد القادر بن قري، المعروف بـ الطهّار

صورة أرشيفية للمرحوم عبد القادر بن قري، المعروف بلقب «الطهّار»، الذي ارتبط اسمه بذكريات أعراس الختان القديمة في برج الغدير.
 

حين أعود بذاكرتي إلى برج الغدير، لا أستعيد شوارعها وبيوتها ووجوه أهلها فحسب، بل أستعيد أيضًا عادات ومناسبات كانت تجمع العائلات والجيران، وتمنح الحياة اليومية طابعًا لا يشبه ما نعيشه اليوم.

ومن بين تلك المناسبات أعراس الختان، بما ارتبط بها من أفراح وزغاريد وطلقات بارود ورايات خضراء، وما رافقها من خوف الأطفال وألمهم، في زمن لم تكن فيه الخدمات الطبية متاحة كما هي اليوم.

وفي هذه الصفحة من ذاكرة الغدير، أستحضر عبد القادر بن قري، رحمه الله، الذي عرفه الناس بلقب «الطهّار»، وارتبط اسمه بختان أطفال عائلات كثيرة، بل وبقلع الأضراس أيضًا، حين كان الأهالي يلجؤون إلى ما تيسّر لهم من وسائل وأشخاص لتلبية حاجاتهم.

لا أكتب عن هذه الممارسات للدعوة إلى إحيائها، وإنما لتوثيق ما عشته وما بقي في ذاكرتي من تفاصيلها، وللتذكير بأن بعض العادات القديمة، بما حملته من فرح وألم واعتقادات موروثة، تستحق الدراسة والفهم في سياقها الاجتماعي والتاريخي.

إنها دعوة أخرى إلى أبناء برج الغدير، ممن عاشوا تلك الأيام أو يحتفظون بصورها وحكاياتها، للمشاركة في استكمال هذه الذاكرة، حتى ننقل إلى الأجيال القادمة صورة أوسع عن حياة أهل بلدتنا، كما كانت في زمن مضى.

بعد رحلة مع الحفناوي بلحاج (ولد الجعدي)، رحمه الله، وأشهر قضيناها خارج المدينة، كلٌّ حسب وجهته، عدنا لنتفقّد العائلة ونلتقي بمن نحبّ، ونعود إلى غديرنا الذي لا يشبه المدن الأخرى.

فبمجرّد أن تصل إلى جسر مدخل المدينة، تشعر بالسكينة، وكأنّ المكان يرفض أن تغادره!

وفي طريقنا إلى القرية التي ننحدر منها، صادفتنا سيارات لا أدري هل هي قادمة من الزمالة، أم من الدشرة، أم نازلة من أولاد مخلوف... كانت تجوب شوارع المدينة، في مشهد لا يشبه ما نراه اليوم.

أطفال، وشباب يقفون على أرصفة الطريق، يحملون أواني ويسكبون الماء على سيارات المارّة.

اكتشفنا فيما بعد أنّه عرس لأحد أبناء الغدير، وأنّ العروس قادمة من مدينة أخرى. لم نرَ وجهها، فقد كان مغطّى ببرنوس، كما جرت العادة في ذلك الزمن.

وهنا نفتح الذاكرة، ونتفقّد خزائنها المليئة بالأفراح والأحزان، لكننا سنختار هذه المرّة أحد ملفاتها الذي يفتح لنا شهية الكتابة، ويعيدنا إلى فترة البراءة.

أعراس الختان... حين كان «الطهّار» يقوم مقام الطبيب

نحن نتحدّث هنا عن جيل من الأطفال خُتنوا بالسكين، على يد رجل لم يدرس مهنة الطب يومًا، ودون تخدير موضعي لمكان العملية.

كان التخدير الوحيد، إن صحّ التعبير، كلماتٍ تُقال للطفل لتشتيت انتباهه وتهيئته نفسيًّا لما ينتظره.

يطلبون منه أن يحمل قطعة لحم ويرميها على عبد القادر بن قري، المعروف بـ«الطهّار»، فينشغل الطفل بتنفيذ الطلب، دون أن يدرك تمامًا ما سيحدث بعد لحظات!  ويمطرونه بالتهاني والتبريكات والباروك.

ثم تأتي الصدمة...

يبكي الطفل بكاءً لا نظير له، ويصرخ حتى تكاد تسمعه الحيوانات من حوله، ويبقى أثر الجرح يؤلمه أيامًا وربما شهورا، بينما يبتهج الآخرون، وتتعالى زغاريد النساء.

وقد تبكي الأم تأثّرًا بألم ابنها، ويتأثّر الأب بدوره، لكنّ المناسبة تبقى في نظر العائلة فرحًا يستحقّ الاحتفال.

كانت العملية تُجرى أحيانًا في الهواء الطلق، وتحت أشعة الشمس، دون الوسائل الطبية التي نعرفها اليوم.

ونحن هنا لا نصف تلك الممارسات من باب الدعوة إلى إحيائها، بل نستعيد مشهدًا كما عشناه في زمنه، قبل أن تتغيّر الأوضاع، وتُفتح العيادات، وتصبح عمليات الختان تُجرى تحت إشراف طبي، وبوسائل تخفيف الألم، ويستطيع الطفل بعدها استعادة نشاطه بصورة أسرع.

الراية الخضراء والبارود والشارة والمحفل...

سنتذكّر الراية الخضراء التي كانت تُرفع فوق أسطح البيوت.

وسنتذكّر طلقات البارود التي كانت تعلن الفرح، وتجمع أهل القرية حول المناسبة.

وسنتذكّر «الشارة»، وهي حجر يُنصب على مسافة قد تصل إلى مئتي متر، ويتنافس المشاركون على إصابته وإسقاطه بالرصاص، ومن ينجح ينال جائزة تتمثّل في قطعة صابون وزجاجة عطر ومنديل.

وسنتذكّر الخيّالة في بعض القرى، ولعبة «التيكريون»، والمحفل الذي كان يرافق هذه المناسبات.

وسنتذكّر النساء وهنّ يحملن فوق رؤوسهن قصعة خشبية، بداخلها تراب توضع فيه القطعة التي أُزيلت أثناء الختان، ثم تُدفن في مكان ما.

لا أعتقد أنّ المسألة كانت مجرّد قطعة جلد أو عادة اجتماعية عابرة، بل كانت تحيط بها اعتقادات وتفسيرات وممارسات موروثة تستحقّ البحث والتوثيق، فضلًا عن البعد الديني للختان.

أعراس كانت تدوم أيامًا...

سنتذكّر أعراسًا كنا نحضرها لأيام، نذهب إليها دون دعوة، فنُستقبل ونأكل ونشرب ونمرح، دون خلفيات أو حسابات أو عُقد.

وسنتذكّر ذبح الديكة، وسأترك لكم تكملة ما غاب عن هذه الذاكرة من تفاصيل...

كان الجميع يتواصل مع الجميع.

لا رسائل قصيرة، ولا «شات»، ولا برامج محادثة، ولا غمز ولا لمز، بل لقاءات مباشرة ومناسبات تُقوّي صلة الرحم وتجمع الأقارب والجيران.

كانت خمسة دنانير كافية لإدخال البهجة على قلب طفل، وكان كيلوغرام من السكر أو القهوة هديةً تفي بالغرض، وتشعر معها بأنّك أدّيت الواجب وزيادة.

لم تكن قيمة الهدية في ثمنها، بل في الحضور والمشاركة والمودّة.

عبد القادر بن قري... الطهّار الذي دخل بيوت الغدير

كان عبد القادر بن قري، المعروف بـ«الطهّار»، من الشخصيات التي عرفتها عائلات كثيرة في برج الغدير.

دخل أغلب البيوت بإرادة أصحابها، وكان يمارس الختان وقلع الأضراس، في مرحلة كانت فيها الغدير تفتقر إلى الخدمات الطبية الكافية لتلبية حاجات سكانها.

وقد ارتبط اسمه في ذاكرة أجيال كاملة بمناسبات الختان، بما حملته من ألم للأطفال وفرح للعائلات وطقوس اجتماعية لم يعد كثير منها حاضرًا اليوم.

نتذكّره في هذا الباب بوصفه جزءًا من تاريخ الحياة اليومية في الغدير، ونسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته ومغفرته.

هذه صفحات من ذاكرة بلدتنا، نكتبها كما بقيت في أذهاننا، ونترك المجال لمن عاش تلك الفترة ليضيف ما يعرفه، أو يصحّح ما قد نكون نسيناه.

وأرجو من كل من يحتفظ بصور قديمة لأعراس الختان، أو لعبد القادر بن قري، أو للمظاهر التي ذكرناها، أن يرسلها إليّ عبر الخاص، لعلّنا نتوسّع في الموضوع ونوثّقه في مجلة الغدير.

وإلى اللقاء في موضوع آخر، وصورة أخرى، وذكرى جديدة من ذاكرة برج الغدير.

نورالدين خبابه 18 أكتوبر 2026

يستعيد نورالدين خبابه أعراس الختان القديمة في برج الغدير، وذكريات عبد القادر بن قري «الطهّار»، والراية الخضراء والبارود وعادات الأفراح.

إرسال تعليق

[facebook][twitter]

Author Name

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.