من ذاكرة القرية... القنديل محمد سعيدات، ووجوه لا تغيب عن البال!

صورة أرشيفية للمرحوم محمد سعيدات، المعروف بلقب «القنديل»، أحد الوجوه التي بقيت حاضرة في ذاكرة المرارشة، واشتهر برعي الأغنام والعزف على الناي وحبّه لفريق وفاق سطيف.

كلما عدت بذاكرتي إلى قريتنا، عادت معي أصوات ووجوه ومشاهد لا تزال حاضرة في وجداني، رغم مرور السنين وغياب كثير ممن صنعوا تلك الأيام الجميلة.

أستعيد صباحات القرية، حين كانت الوالدة، رحمها الله، تكنس أمام البيت بمكنسة الحلفاء وترشّ التراب بالماء، وحين كانت زقزقة العصافير وخرير مياه السواقي وحركة الفلاحين والرعاة جزءًا من حياتنا اليومية.

وفي هذه الرحلة، أستحضر أخانا محمد سعيدات، رحمه الله، الذي عرفناه بلقب «القنديل»، وكان من الوجوه التي ارتبطت بذكريات المرارشة وأهلها. أتذكر عودته من الرعي، وابتسامته، وحبّه للغناء والعزف على الناي، ثم انتقاله إلى سطيف وتعلّقه بفريق وفاق سطيف.

لكن الحديث عن القنديل يفتح أمامي أبوابًا أخرى من ذاكرة القرية؛ من حانوت عمي الطيب إلى دكّان الإسكافي عمي مسعود، ومن ملعب الطويلة إلى مجالس الشيوخ وأصوات المذياع والأغاني التي كانت ترافق أيامنا.

أكتب هذه الذكريات وفاءً لمن رحلوا، ومحاولةً للاحتفاظ بشيء من تفاصيل الحياة التي عرفناها، وأدعو كل من يتذكّر القنديل أو غيره من أهل القرية إلى مشاركتنا ما لديه من صور وحكايات، حتى تبقى هذه الوجوه حاضرة في ذاكرة الأبناء والأحفاد.

بعد الوصول إلى القرية، واحتضان الوالدة والوالد، رحمهما الله، والاطمئنان على العائلة، نبيت ليلة ليست كغيرها من الليالي. نصلّي المغرب والعشاء خلف سي الطاهر، ونستمتع بالحديث مع شيوخ القرية، رحمهم الله، ونستعيد معهم دفء تلك المجالس التي لا تعوّضها مجالس اليوم.

نستيقظ على «التوهاب»... أفتح الباب باكرًا، فأجد الوالدة تكنس أمام البيت بمكنسة الحلفاء، وترشّ التراب بالماء، في مشهد ما زال حاضرًا في ذاكرتي بكل تفاصيله... فالنظافة لم تكن داخل البيت فقط، بل خارجه أيضًا.

نسمع زقزقة العصافير وتغريد «الطوطاو»... وها هو «وعيل الشوك» يبني عشًّا فوق الشجرة ويراقص خليلته.

وها هو عبد الرحمان بن دحمان يضع الفأس على كتفه، والعرق يغطّي جبينه، وهو يرتدي «البوط»، ويجرّ بعض أوراق الشجر التي تعيق تدفّق مياه الساقية.

وفي الجهة الأخرى، يستعدّ عزوز بلبهالي لسقي الشعير والقمح في الزناد، رحمهما الله.

نستمتع بالسمرات الليلية تحت ضوء القمر والنجوم المتلألئة في السماء، ونستلذّ بماء السياخة والشرشارة، ونتذوّق التوت، ونتسلّق أشجار التين لنقطف بعض ثمارها التي لا يمكنك أن تجد مثل مذاقها في كبرى الأسواق العالمية.

وعند غروب الشمس... يظهر القنديل

عند دار الرومي، يقابلنا «القنديل»، واسمه الحقيقي محمد سعيدات.

كان الشيخ الدراجي مروش، رحمه الله، قد أتى به من قرية بيطام من أولاد حناش، ليرعى غنم المرارشة، وكان يعزّه ويفضّله على أبنائه.

وقد سألت ابنه محمد الشريف، حفظه الله، عن سرّ اللقب الذي أُطلق عليه، فأخبرني أنّ محمد سعيدات كان يدندن باستمرار ببعض أغاني المغنّي التونسي الراحل محمد القنديل، ومنها أغنية «جميل وأسمر»، فالتصق به لقب «القنديل».

ها هو الآن عائد من الرعي، يحمل جديًا حديث الولادة في عمارة على كتفه، يُمأمئُ والعنزة تتبعه وتصيح، بينما يمرّ القطيع وسط القرية... فوق المسجد العتيق.

وفي الوقت نفسه، كان شباب القرية منهمكين في التحضير لمقابلة في كرة القدم، ستُقام في الغد في الطويلة... يحضرها تميم وناجي وقموح، رحمهم الله.

من حانوت عمي الطيب إلى دكّان الإسكافي عمي مسعود

وقبل الذهاب إلى الطويلة، حيث يوجد الملعب، لا بدّ من المرور على عمي مسعود لإصلاح الحذاء.

وفي طريقنا نمرّ على حانوت عمي الطيب، حيث كنّا نستمتع بمشاهدة القرد الذي كان يلاعبه، والهدهد، وطائر الببغاء.

وكان القنديل يحبّ عمي الطيب حبًّا جمًّا، رحمهما الله، كما كان يحبّ القعدة في المرارشة، ويجد فيها الألفة والأنس والتقدير.

وها هو الإسكافي عمي مسعود يستقبلنا بابتسامة عريضة، ويشعل المذياع لمتابعة الأخبار... وأغنية فريد الأطرش «يا حبايبي يا غايبين، وحشيني يا غاليين».

وأمامه عمار بلحملاوي يشعل سيجارة «غولواز»، بينما يطلّ القنديل فوق جبل دمروش، حيث يعزف على الناي، فتخترق أنغامه الأسماع من مسافة بعيدة، قد تتعدّى كيلومترًا!

إنها مشاهد بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزن حياة قرية بأكملها؛ أصوات أهلها، وحكاياتهم، ومهنهم، ومجالسهم، وعلاقات المودّة التي كانت تجمع بينهم.

القنديل... من المرارشة إلى سطيف

بعد فترة، اختفى القنديل عن الأنظار، وتوجّه إلى سطيف، حيث كان مولعًا بحبّ فريق وفاق سطيف...

وكان معروفًا ببيع «الكوكاو» في مدرّجات الملعب، وسط الجماهير التي تشجّع الفريق... وبدل لقب «القنديل»، صار يُلقّب بـ«قريش»، لاعب الوفاق، رحمه الله.

غاب عنّا أخونا القنديل، لكن ابتسامته الساحرة لم تغب عن ذاكرتنا.

وها نحن اليوم نستذكره، ونستعيد معه تلك الأجواء الجميلة التي عشناها في القرية؛ من رعي الأغنام إلى جلسات عمي الطيب، ومن دكّان الإسكافي عمي مسعود إلى أصوات الناي، وملعب الطويلة، وذكريات المرارشة وأهلها.

رحم الله أخانا محمد سعيدات، المعروف بالقنديل، رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والأجر والاحتساب.

ورحم الله والدينا ومشايخ قريتنا وكل من سبقونا إلى دار البقاء.

تبقى هذه الوجوه حيّة في ذاكرتنا، ونحاول من خلال هذه الصور والكتابات أن نحفظ شيئًا من سيرتها للأجيال التي لم تعرفها.

وإلى اللقاء مع صورة أخرى، ووجه آخر، وحكاية جديدة من ذاكرة القرية ومجلة الغدير.

نورالدين خبابه — 19 أكتوبر 2026


يستعيد نورالدين خبابه ذكرى محمد سعيدات «القنديل»، راعي الأغنام وعازف الناي، ووجوه المرارشة وذكريات القرية ووفاق سطيف.

This is the most recent post.
رسالة أقدم

إرسال تعليق

[facebook][twitter]

Author Name

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.