جلسة في دكان الإسكافي عمي مسعود !

صورة أرشيفية لعمي مسعود الإسكافي، أحد وجوه القرية، الذي اشتهر بإصلاح الأحذية وصناعتها رغم إعاقته الجسدية، وكان دكّانه ملتقى للأهالي خلال السبعينيات والثمانينيات.

 الاسكافي عمي مسعود... رجل تنحني له الإرادة، ودكّان تختزن جدرانه ذاكرة قرية
حين أعود بذاكرتي إلى قريتنا، أجد أن بعض الأماكن  التي تبدو صغيرة  اليوم كانت أكبر من مساحتها بكثير، وأن بعض الرجال تركوا في حياتنا أثرًا لا تقاس قيمته بما امتلكوه من مال أو جاه، وإنما بما قدّموه من أعمال ومواقف وإرادة.

ومن بين هؤلاء عمي مسعود، رحمه الله، ذلك الرجل الذي لم تمنعه إعاقته الجسدية من العمل والكفاح وتربية أبنائه، ولا من أن يكون حاضرًا في حياة أهل القرية، يستقبلهم بابتسامته، ويصلح أحذيتهم، ويصنع لنا أحذية رياضية كنّا نفتخر بها أمام شباب القرى الأخرى.

ما زلت أستحضر دكّانه ، وآلة الخياطة، والرجل الخشبية، والمذياع الذي يعمل بالبطاريات، وفنجان القهوة، والكرسي الصغير الذي كنت أجلس عليه قبالته. وأستعيد الوجوه التي كانت تدخل ذلك الدكّان، والأحاديث التي كانت تدور فيه، والأخبار التي يتبادلها الناس في زمن كانت فيه الكلمة عهدًا، وكانت الثقة تغني عن الأوراق والوصولات.

ومن دكّان عمي مسعود تنفتح أمامي نافذة أخرى على القرية؛ أسمع مزمار القنديل، ونداء بائع الزيت، وصوت المؤذّن، وأرى العائدين من الغربة، والأطفال الذين يحملون أحذية أُرسلت لإصلاحها، والناس وهم يستعدّون لأعراسهم ومناسباتهم.

أكتب اليوم عن عمي مسعود وفاءً لذكراه، وعن دكّانه الذي كان شاهدًا على حياة جيل كامل، وأدعو من عرفوه أو جلسوا عنده إلى أن يضيفوا ما تحتفظ به ذاكرتهم من حكايات وصور، حتى نحفظ للأبناء والأحفاد شيئًا من سيرة هذا الرجل ومن ملامح الحياة التي عرفناها في قريتنا.

رجل ذو بصيرة، أُصيب بإعاقة جسدية في رجليه، لكنه لم يستسلم يومًا لتلك الإعاقة، بل راح يتحدّى الواقع الذي فُرض عليه في القرية التي كان يقطنها، وينافس الأصحّاء، ويفرض نفسه شخصيةً لا غبار عليها.

تزوّج وأنجب رجالًا، منهم الصحفي ومنهم حافظ القرآن ومنهم الأستاذ، وظلّ يعيل عائلته إلى غاية مرضه ووفاته.
رجل ينحني له الصبر، ويحتضنه الحنين، ويأتيه الوفاء حبوًا، ويحيّيه ضباط القرية، ويأتيه الرياضيون وهم مذعنون لسلطته.
ذاك هو عمي مسعود، الذي كان يرحّب بنا في دكّانه، ذلك الدكّان الذي تجاوزت قيمته المعنوية كبرى الشركات العالمية، وكان يصنع لنا، بما حباه الله من إرادة فولاذية، أحذية رياضية نتباهى بها أمام شباب القرى الأخرى، خلال السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات.

كانت إرادته من القوة بحيث يلين لها الحديد.

---

أحاول اليوم أن أصف دكّانه الذي كنت أحفظه عن ظهر قلب، لأرسم في مخيّلة من لم يعيشوا جيلنا كيف كنّا نحيا بوسائل بسيطة، في تواضع، دون تصنّع ولا تكلّف، وكيف كانت القناعة تملأ البيوت قبل أن يحلّ الجشع وينفرط العقد.
وأحاول أن أدغدغ ذاكرة الذين عاشوا تلك السنوات، لعلّهم يستعيدون منها بعض الذكريات الجميلة، ويشحنون بها طاقاتهم التي أكلتها الحداثة المصطنعة.
ها هو عمي مسعود يفتح دكّانه...
ينزل من دابّته، بمساعدة زوجته في الغالب، أو أحد أبنائه، ثم يفتح باب الدكّان الخشبي، وهو يسحب رجليه المثقلتين، حتى يستند بظهره إلى الحائط.
يبدأ في فرز بضاعته التي غالبًا ما كان يقتنيها من مدينة برج بوعريريج، التي تبعد عن القرية بنحو ثلاثين كيلومترًا.
يشعل المذياع الذي يعمل بالبطاريات، ويلتفت نحو الجبل المقابل، بينما ينساب صوت فريد الأطرش بأغنيته «عش أنت».
وها أنا أطلّ عليه دون موعد، فألقي السلام.
فيردّ مبتسمًا:
أهلًا بابن الطالب!
ثم يطلب مني الجلوس على كرسي صغير مصنوع من الخشب، قبالته، ويطلب مني أن أناوله رجلًا خشبية موضوعة فوق آلة الخياطة.
لم يكن الدكّان موصولًا بالكهرباء، بل كان فيه مصباح، ويتوسّط سقفه «قنطاس». وكلّما مشى طفل في الغرفة العلوية، شعرتَ أنّ السقف يكاد يهبط فوق رؤوس الجالسين!
ومع ذلك، كان عمي مسعود يجلس مطمئنًّا، يضع أمامه فنجان قهوة، ويدعوني إلى مشاركته.
وجوه تدخل الدكّان... وحكايات تبدأ
بعد لحظات، يلتحق بنا عمي السعيد بلحملاوي، بعدما افترق عن الشيخ السوفي.
كان قد عاد من فرنسا البارحة، بعد المغرب، يحمل بين أصابعه سيجارة من نوع «غولواز»، ويحرّك أسنانه الاصطناعية بطريقته المعهودة.
يرحّب به عمي مسعود بقبلتين، ويسأله عن أحوال المهاجرين، فيبلّغه عمي السعيد سلام الجماعة.
وبعد هنيهة، ينتشر في القرية خبر فتح دكّان عمي مسعود، فيبدأ الزبائن بالتوافد، صغارًا وكبارًا، وكلّ واحد يحمل شيئًا يريد إصلاحه.
وفي لحظات، يتّفق معك عمي مسعود على ما ينبغي عمله، فتترك عنده حذاءك، وتعود في الموعد الذي يحدّده لك، دون أن يسلّمك وثيقة أو وصلًا.
فالموعد عنده عهد، والكلمة كانت تكفي.
ويتواصل الحديث داخل الدكّان حول ما يجري في العراق والعالم العربي، وأخبار الناس وأحوالهم.
وفجأة، تدخل بنت صغيرة، تضع على رأسها محرمة، وتنادي:
 «عمي مسعود! قالت لك لالا خديجة: خدمت لي الصباط ولا مازال؟ راني رايحة لعرس بيت الطاهر بن كذا...»

فيجيبها عمي مسعود:

 «حاضر! قولي لجدّتك مبلغ الإصلاح عشرة دنانير.»

تعود الحفيدة مسرعة، ثم تأتيه بالمبلغ، وتنصرف فرحة وهي تحمل الحذاء الذي أُصلح.
مشهد بسيط، لكنه يختصر حياة كاملة من الثقة والتعامل المباشر بين أهل القرية.
خارج الدكّان... القرية تعيش يومها
هناك، فوق رأس الجبل، راعي القرية المعروف بـ«القنديل»، يعزف بمزماره القصبي ألحانًا تتناغم مع طبيعة المنطقة.
إنه عائد إلى القرية بعد يوم قضاه في المرعى بجبل مزيتة، وعلى ظهره جدي صغير يمأمئ داخل «عمارة».
وها هو الشيخ مقران يمرّ، وقد حمّل بغله ودابّته صهاريج متوسطة من زيت الزيتون، وأكياسًا من التين المجفّف، وينادي بصوته المعروف:
 «يا كيّال الزيت... يا كيّال الزيت!»
فيخرج إليه أهل القرية، يشترون منه الزيت والتين المجفف، مقابل ما يقدّمونه له من قمح أو سميد.
كانت المقايضة جزءًا من الحياة اليومية، وكان الناس يتدبّرون شؤونهم بما تيسّر لهم.
وهنا يرتفع صوت الحاج عمر مؤذّنًا لصلاة العصر: «الله أكبر، الله أكبر... لا إله إلا الله.
فتختلط أصوات القرية؛ نداء البائع، وأنغام مزمار القنديل، وأحاديث الزبائن، وصوت الأذان الذي يعلو فوق الجميع.
وغدًا يأتي أولاد عبد الواحد...
غدًا هو اليوم الذي يأتي فيه أولاد عبد الواحد، والتحضيرات جارية لاستقبالهم.
وفي هذه الأثناء، ينتهي عمي مسعود من إصلاح حذائي، فأدفع له المبلغ المتّفق عليه، ويجلس عمي السعيد مكاني.
يلتفت إليّ عمي السعيد قائلًا:
 «هيه يا الجي 3، واش راهو الحاج؟»
فأجيبه:
 «بخير، الله يسترك عمي السعيد.»
وقبل أن أغادر، يوصيني عمي مسعود بألّا أغيب عن عرس المبروك، ولا سيّما أنّ صديقي عبد الحليم سيحضر الحفل مع فرقة من المسيلة.
أودّعه، وأنصرف لأترك المجال للقادمين.رحم الله عمي مسعود...
لم يكن دكّانه مجرّد مكان لإصلاح الأحذية، بل كان مجلسًا يجتمع فيه أهل القرية، ويتبادلون الأخبار، ويتفقّدون أحوال بعضهم بعضًا.

وكان عمي مسعود، رغم إعاقته الجسدية، رجلًا عاملًا، صاحب إرادة وعزيمة، يعيل أسرته بعرق جبينه، ويصنع بأدواته البسيطة ما كان يُدخل الفرحة إلى قلوبنا.
ما زلت أذكر دكّانه الخشبي، وآلة الخياطة، والرجل الخشبية، والمذياع، وفنجان القهوة، والكرسي الصغير، والوجوه التي كانت تدخل وتخرج، وكلّ واحد منها يحمل حكاية.
رحم الله عمي مسعود رحمة واسعة، وجزاه خيرًا على ما قدّمه لأسرته وأهل قريته، ورحم جميع من غادرونا وبقيت صورهم وأصواتهم حيّة في ذاكرتنا.
وإلى الذين عرفوه وجلسوا في دكّانه، أو انتعلوا أحذية أصلحها أو صنعها بيديه: ما الذي بقي في ذاكرتكم عن هذا الرجل؟
لعلّ شهاداتكم تضيف إلى هذه الصفحة من ذاكرة القرية تفاصيل لم تسعفني الذاكرة باستحضارها.
وإلى اللقاء مع صورة أخرى، ووجه آخر، وحكاية جديدة من ذاكرة قريتنا، نوثّقها للأجيال في مجلة الغدير.

نورالدين خبابه 28 مارس 2020

يستعيد نورالدين خبابه ذكرى عمي مسعود الإسكافي، صاحب الإرادة القوية، ودكّانه الذي جمع أهل القرية وحفظ حكاياتهم خلال السبعينيات والثمانينيات.

رسالة أحدث
This is the last post.

إرسال تعليق

[facebook][twitter]

Author Name

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.