حصن جديد بقرية الدشرة... شهادة عبد الكريم العقون عن مدرسة التهذيب أولاد العياضي سنة 1954

صورة تاريخية لمدرسة الدشرة بمنطقة برج الغدير التي تناولتها جريدة البصائر سنة 1954

من ذاكرة دشرة أولاد العياضي: «حصن جديد بقرية الدشرة»

نعيد نشر هذه الوثيقة التاريخية التي كتبها الشيخ  الشهيد عبد الكريم العقون ونشرتها جريدة «البصائر» في عددها 297، الصادر يوم الجمعة 17 ديسمبر 1954، الموافق لـ21 ربيع الثاني 1374هـ.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة بالنسبة إلى الذاكرة المحلية لدشرة أولاد العياضي ومنطقة برج الغدير، لأنها تنقل إلينا، بقلم شاهد من ذلك الزمن، أجواء تأسيس مدرسة حرة في القرية، والدور الذي أداه رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأبناء المنطقة في إنجازها، إضافة إلى مساهمة أبناء الدشرة المهاجرين إلى فرنسا في تمويل المشروع.

ولا تكمن قيمة النص في حديثه عن بناء مدرسة فحسب، بل في الأسماء والأماكن والتفاصيل التي حفظها: الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ عبد اللطيف سلطاني، والحاج أحمد حسين، وموسى الأحمدي، ومحمد بن بالي، وعلي مروش، فضلًا عن جبال القلعة ودمروش وكاف الطلبة وغيرها من معالم المكان.

ننشر النص وفاءً لذاكرة أولئك الذين رأوا في المدرسة حصنًا في وجه الجهل، وحفاظًا على وثيقة مضى على نشرها أكثر من سبعين عامًا، مع الإبقاء على أسلوب صاحبها ولغته قدر الإمكان.

في الدشرة المباركة العامرة الحالمة بين أحضان جبال القلعة ودمروش وكاف الطلبة، الذي كان في الماضي يردد ترتيل المقرئين للقرآن الكريم، فتنبعث منه أصداء متعرجة طويلة تهيمن على النفوس، وتنحني لها الرؤوس، وتشتفي بها الصدور، فتسري في الجسم قشعريرة خوفًا من الوعيد وأفراحًا من النفحات المغرية المنعشة.

هناك، على مقربة من برج الغدير الواهي، بحدائقه الغنّاء والمياه بجداوله المترقرقة المتدفقة ببطء على جذوع الصفصاف العياد، والتي يُسمع خريرها من بعيد، فتطرب له الأسماع، وترقص له القلوب، وتهدهدها أغاريد الطيور هنا وهناك، كمجموعة جوقة منعشة سحرية، تلمّ الجراح وتبعث الأفراح وتحيي الآمال والأحلام.

في هذا الجو الحالم، هبّ أبناء هذه الدشرة العامرة على صيحات رجال جمعية العلماء، وكان أول هتاف أيقظها من سباتها العميق هو هتاف أستاذنا الجليل، الشيخ البشير الإبراهيمي، ذكره الله بخير، الذي هو من تلك الجبال الشم، والذي حدا برجال الدشرة وأبدى لهم فكرة تأسيس مدرسة بقريتهم العتيدة، تضم شتات أطفالهم، وتغذي عقول ناشئتهم، وتزيح عنهم ظلام الجهل الحالك.

ورحم الله الزهاوي حيث يقول:

ألا إن ليل الجهل أسود دامسُ

وإن نهار العلم أبيض شامسُ  

نشقى حياةً ما لها من مدرّبٍ

وتشقى بلاد ليس فيها مدارسُ  

وللعلم أيام هي السعد كله

وأما ليالي الجهل فهي مناحسُ  

ونحن بعصر لم يكن فيه مفلحًا

في أعماله إلا الذي هو دارسُ  

إذا ما أقام العلم راية أمة

فليس لها حتى القيامة ناكسُ

وكان الذي عززه وأحيا معالمه وآثاره الأستاذ عبد اللطيف سلطاني، الذي انتدبته الجمعية لتلك النواحي، بدروسه العامرة ونصائحه الغالية وتفانيه في مهمته، في إبرازها للوجود نامية مباركة، فيها الأستاذ الحاج أحمد حسين، مندوب الجمعية أيضًا، والأستاذ موسى الأحمدي، وكاتب هذه الكلمة المتواضعة، بعدة دروس أُلقيت بمساجد العامرة، التي كانت بمثابة الغيث النافع ساقه الله إلى ميت فأحياه، وبعث كلأه وأزهاره، فكانوا جميعًا على حد قول الشاعر العربي:

تحيا بكم كل أرض تنزلون بها

كأنكم في بقاع الأرض أمطارُ

فتألفت، على هذه الصيحات المتوالية المدوية، جمعية للبناء والتشييد، كان المشرف على سيرها والأخذ بيدها ورفعها من كبوتها كلٌّ من الأخوين المخلصين: الأستاذ محمد بن بالي، والشاب الأستاذ علي مروش.

فتسابق المحسنون إلى البذل والتشييد، وفي طليعتهم أبناؤها الأوفياء النازحون إلى فرنسا، فقد قطعوا على أنفسهم أن يقدموا إعانة المدرسة على إعانة أهليهم وذويهم. وقد تم، والحمد لله، ما عقدوا عليه النية، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، واستجابوا لنداء ربهم في قوله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾

وتلوا قوله أيضًا:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

ورددوا قول الرصافي، رحمه الله:

وأساس عمران البلاد تعاونٌ

متواصل الأسباب من سكانها  

وتعاون الأقوام ليس بحاصل

إلا بنشر العلم في أوطانها

لأنهم أدركوا أن لا حياة إلا بالعلم، والعلم لا يؤخذ إلا من المدرسة، ولن يكون عالمًا إلا من كان متعلمًا، ومحمد ﷺ بعثه الله معلمًا.

ولهذا نجد أول خطاب وجهه لنبيه هو الأمر بالقراءة في قوله:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

موجهًا إلى أهمية العلم ليكون دعامة لنهضة البشرية. وإننا لنجد في القرآن الكريم بضع مئات من الآيات تحدثت عن العلم وحثت عليه، والإسلام يقدّر العلم ويرفع من شأنه.

وهذا رسوله يقول: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معًا فعليه بالعلم». والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة.

وهذا فتح الموصلي، رحمه الله، يقول: أليس المريض إذا ما مُنع الطعام والشراب والدواء يموت؟ قالوا: بلى. قال: كذلك القلب إذا مُنع الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت.

ومن فقد العلم فقلبه مريض، وموته لازم، ولكنه لا يشعر.

قال الرئيس ابن سينا:

إنما النفس كالزجاجة، والعلم سراج، وحكمة الله زيت.

وقال عبد الملك بن مروان، حاثًّا بنيه على العلم:

يا بنيّ، تعلموا العلم؛ فإن كنتم سادة فُقتم، وإن كنتم وسطًا سُدتم، وإن كنتم سوقة عشتم.

وقد سئل الخليل بن أحمد الفراهيدي: أيهما أفضل، العلم أو المال؟ فأجاب: العلم. فقيل له: فما بال العلماء يزدحمون على أبواب الملوك، والملوك لا يزدحمون على أبواب العلماء؟ فقال: ذلك لمعرفة العلماء بحق الملوك، وجهل الملوك بحق العلماء.

وقال الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه:

العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه.

هذا، وإن المعرفة هي لحسن الأشياء التي تتألف منها سعادتنا، فالواجب على الأمة الإسلامية أن تقتدي بأعمال الرسول وأصحاب الرسول، وأن تتجند أفرادًا وجماعات للدعوة إلى العلم والاغتراف من مناهله العذبة المتدفقة الصافية.

عز الشعوب بعلم تستقل به

ما عز شعب عليه العلم قد هان

ولقد تخرج من المدرسة المحمدية الأولى آلاف مؤلفة من المسلمين، كانوا نماذج حية في تاريخ الإسلام، وكم خلّف هؤلاء من آثار علمية جليلة! وفي هذا المعنى يقول محمود غنيم:

استرشد الغرب بالماضي فأرشده

ونحن كان لنا ماض نسيناه

لهذا كله نهض أحباء العلم وأنصار الفضيلة، فشيدوا معقلًا للغة الضاد وأبناء الضاد، وقد تم، والحمد لله، بفضل المجهودات الجبارة التي بُذلت في سبيله، وأضحى يلوح كعروس ترفل في أبرادها، وعليها روعة من الجلوة ومهابة الطلعة، كما يبدو ذلك في الصورة.

ورحم الله الرصافي حيث يقول:

وأسسوها على الأعمال قائمة

ممهدين إلى المحيا سبيلًا  

يرقى بها النشء للأعمال مقتدرًا

وللطباع من الأردان مغتسلًا


وقال بعض الحكماء:

من فتح مدرسة فكأنما أغلق سجنًا.


بارك الله في مساعي الرجال العاملين المخلصين، وكلل أعمالهم بالنجاح. آمين.

عبد الكريم العقون

نشرت في البصائر، العدد 297

يوم الجمعة 21 ربيع الثاني سنة 1374هـ، الموافق لـ17 ديسمبر 1954م.



وثيقة لعبد الكريم العقون نشرتها البصائر سنة 1954، توثق تأسيس مدرسة بقرية الدشرة ودور جمعية العلماء وأبناء المنطقة في بنائها.

إرسال تعليق

[facebook][twitter]

Author Name

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.