الشيخ لمنور بعلي

الحمد لله حمـدا كبيرا , ومجده أكبـر , ورفده أكثـر والشكر لله شكرا جزيلا وفيـرا , ونعمته أجزل , ورحمته أوفـر.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد﴿ ص﴾ صـاحب المعجزات الذي جـاء بالتعلـم والتعليـم , لتكميل البشرية , وعلى آلـه وصحبه ذوي العقـل الصحيح والخلـق الكريـم.

إن العظمـاء من النـاس يقـدر الله النفـع بآثـارهم في حيـاتهم ، وقد يـزيـد النفـع بعد ممـاتهم أضعـافا مضـاعفـة إن شـاء الله ، عمـا كان في أيـامهم ومن هـؤلاء المـرحـوم الحـاج لمنـور بعلـي.
ولـد الحـاج لمنـور بعلـي يـوم 27 سبتمـبر من عـام 1917 م بقريـة الزمـالة بالمنطقـة المسمـاة ﴿ لبعـالة ﴾ نسبـة إلى اللقب العـائلي ، حيث تبعـد عن مقـر البلديـة (برج الغديـر)  مسيـرة نصف سـاعة مشيا على الأقـدام ، وفي مـدخلها ضـريح رومـاني كشـاهد على قيمتها التاريخيـة عبر العصـور ، كما تزخـر المنطقـة بآثـار لم تكتشف بعـد .
والـده محمـد بن احمـد وأمـه زينب سحيـم بنت المسعـود ، تلكم المرأة الفـاضلة التي استطـاعت رفقـة الوالـد وبعـون من الله تعالى أن تنشئه تنشئة اسلاميـة .                                                         
لأن عمليـة التنشئة الاجتماعية هي وسيـلة لتهيئـة الوليـد البشـري المزود بالفطـرة كي ينمـو ويتطـور سلـوكيا وأخلاقيا واجتماعيا وسـط محيطه الاجتماعي , فيكسب شخصيـة اجتماعية تتعامـل مع ثقـافة وأحكام هذا الوسـط .
                    مسقط رأس الحــاج لمنـور بعلـي




عاش المرحـوم الحـاج لمنـور بعلي  صبـاه بين إخوتـه وأبـناء عمـومتـه و جيــرانه ، حيــاة ملـؤها المحبة الصادقـة والنفس الطاهـرة رغـم الإمكانيات البسيطة ، بسبب الظـروف الاستعمـارية ،  ولمـا أدرك الـوالد محمـد ، أن الله تعـالى قد أنعـم على ابنه لمنـور  بأدوات العلـم والمعرفـة وهي : السمـع والبصــر والعقـل قـررت إلحاقه بزاويـة العـلامة الحـاج السعيد طـرش بأولاد لعيـاضي﴿ الدشـرة ﴾ بعد بلـوغه سن الثانية عشـر قصـد حفـظ القـرآن الكـريم ، فاستقبـل من طـرف المشرفيـن على الزاويـة،  ووفـر لـه ما يستوجب توفيـره رفقـة العديـد من الطلبـة القـاطنيـن بالزاويـة من مأكـل ومـرقـد وتعليـم .

اشـرف على تعليـمه المـرحـوم :الطـالب محمـد خبـابة بكتاب القـريـة ،رفقـة العديـد من الطلبة أمثـال  خبابة الطـاهر بن سعدود ـ الدراجي خبابة ــ بن عزوز بن سعادة بلكعلول ــ بلكعلول لخضر بن اللافي ـ روان محمـد ـ بومـرطـة عـزوز ـ خبابـة احمد بن الولهي   ـ قـرايط بلقـاسـم ـ خبـابة العربي بن الزواوي ـ توهامي محمد .
 لم يكن المرحـوم بعلـي لمنـور  يضيع وقتـه في اللهـو أثناء الدراسـة , بل كانت نصائح والـده  توجهـه في جميع تحركاته وسكناته دون أن ننسى المجهودات  التي قدمت له من طرف شيخـه.
لقـد كان من بين الطلبـة الممتازين الذيـن كانوا يمحون ألواحهم يوميا ولا يغـادر الجـامع إلا بعد أن يحفظ ما كتب من كتاب الله تعالى في نفس اليـوم ، وهـو ما مكنـه من حفـظ كتاب الله تعالى خـلال مدة قصيـرة .
         زاويـة الحاج السعيـد طرش       مسجد أولاد لعيـاضي



لم يكتف المرحـوم بحفظ كتاب الله تعالى حفظا ورسمـا،  بل قـرر تكملـة مشـواره التعلمي قصـد الرفـع من مستواه الثقـافي  ، وذلك بدراسـة مصنف سيدي خليـل ومتن الرحبيـة في المواريـث   لأن علامات الموهبـة الإلهيـة والعناية الربانيـة بدأت تظهـر عليـه من خلال حفظـه  السريع لكتاب  الله تعالى .
لأن الموهبـة استعداد ينعـم بـه الخالق سبحانـه وتعالى على فئـة قليلـة من عباده ، تمكنهـم إذا وجـدوا العنايـة والرعـاية من الامتيـاز والتفـوق بشكل غيـر عادي في مجـال أو أكثـر من مجالات الحيـاة.
وقـد اشـرف على تدريسـه العديـد من الفقهـاء أمثـال :الفقيـه  بن زيـوش ـ الفقيـه  بلكعلول بن سي اعطيـة ـ الفقيـه طـرش الحاج احمـد .
وبعـد أن تحصـل على رصيـد معرفي لايستهـان بـه قرر العـودة الى قريـة الزمـالة ، وخلالهـا أقـام الاب الكـريـم مأدبـة عشـاء لأبنـاء عمـومته وجيـرانـه ، تكـريما لـه على المجهـودات المبذولة ،   وتشجيـعا لغيـره ، ولقـد كانت لهـا الأثـر الايجـابي في نفسـه .   
فقـد أصبـح روحـاً تلهب الحماس وتقوي الإحساس وتنعش الفكر ليبقى دائماً في تألـق، حيٍّ مشـرقٍ وضيء،لأبنـاء عمـومته ، لأن العـواطف  هي النسمـة الباردة في يوم شديـد الحـرارة، لأنهـم  يلتمسـون في  مثل ذلك اليوم سحـابةً أو ظلّ شجـرة فكان  المرحـوم بعلي لمنـور بالنسبـة لهـم هـو السحابة والشجرة للعاني المكـدود المتعب من هديـر أمواج الحياة.

قـرر سكـان المنطقـة( لبعــالة ) فتـح كتـاب لتعليـم أبنائهـم دون اللجـوء إلى الهجـرة ، فتـم اختـيار درا بن جلـود لهـذا الغـرض ،حيث  باشـر المرحـوم بعلي لمنـور تحفيـظ كتاب الله تعالى لأبناء عمـومته وجيـرانه ذكـورا وإناثا، قصـد القـضاء على الأميـة التي استفحلت في المنطقـة ، لعـدم وجـود الكتاتيب بالناحيـة  ، والظروف الاستعمـاريـة القاسيـة ، التي فـرضت عليهـم وعلى أبناء الشعب الجـزائري كافـة ، قصـد طمس الهـوية  الوطنيـة من جهـة أخـرى ، متـوكلا على العلي القـديـر متبعا طـرائق من أشـرفـوا على تعليمه ، لأنـه أدرك أن رسـالة الإسلام مـوجهـة إلى عـامة الناس على الأرض ،ومن الضـروري أن يتصـدر هـذا المجتمـع  رغـم قـلة العـدد ، لأنـه على مستـوى من العلـم والقـدرة ، والدرايـة بأسـرار النفس البشـرية .
قـال الله تعالى ﴿ قـل هـذه سبيلي أدعـو إلى الله على بصيـرة أنا ومن اتبعنـي وسبحـان الله وما أنـا من المشركيـن﴾ يوسف 108
   
 الكتـاب الذي درس فيـه المرحوم بمنطقـة لبعالة  ﴿دار بن جلـود ﴾                                               
 

 قـال رسـول الله صلى الله عليـه وسلـم
     ﴿﴿خيـركـم من تعلـم القـرآن وعلمـه ﴾﴾
 ولقـد كان رحمـه الله أنقى الـناس سـريرة ، وأنصعهـم طهـرا ، وأصفـاهم عقيـدة ، وأجزلهـم وعيـا ،وحـرصه الدائـم على تحفيـظ كتاب الله ، حيث يستقبـل المتمدرسيـن بعد صـلاة الصبـح مباشـرة يوميـا  أما الفتـرة المسـائية فتنتهـي عقب صـلاة العصـر،  أمـا  يوم الجمعـة فهو عطلة اسبـوعية لأداء صـلاة الجمعـة ،  لهـذا استحسنـه الجميع،  لأنـهم رأو فيـه الأخـلاق  الفاضلـة والحيويـة إثــر رغبته في تحفيـظ كتاب الله تعالى وقـد تمكن من أداء واجبـه رغـم الظـروف المزريـة لأهـل المنطقـة ، حفظ عليـه كل من :
بعـلي احمـد ـ بعلي الطيب ـ شحمـي رابـح ـ زدام لخميسي ـ زدام مـوسى ـ ابن عبيـد السعيـد ـ ابن عبيـد الحسيـن وبعد تخـرج البعض منهـم حملـوا المشعـل وسـاهمـوا في تحفيظ كتاب الله تعالى لأبنـاء جلدتهـم بمناطـق عـدة ، جعلهم الله صدقتـه الجـــارية وأحاطـه الله بهـم يـوم القيامـة يشهـدون له عنـد ربهـم يوم يفـر المـرء من أخيـه وأمـه وأبيـه وصاحبته وبنيـه لكــل امرئ منهم يومئـذ شـأن يغنيـه .
كما يـؤدي بالنـاس صـلاة التـراويح خـلال شهـر رمضـان ، وبعد ها يتفـرغ لقيـام الليـل ، حيث يختـم القـرآن عدة مـرات خـلال الشهـر ، كما يقضـي أوقات الفـراغ خـلال النهـار في مـراجعة الكتب الفقهيـة التي يمتلكهـا ، لأن الكتـاب أميـن لايغـدر ،صـامت لايهـذر ،نـاصح لايشـاغب ، وهـذه أوصـاف عاليـة وأخـلاق صـافية ، ليس في هـذه الدنيا أحـد أفـرح بـها  من معلـم أو داعيـة مسلـم أحـاطه الجـد فدق على صـده وقـال:أنـا لنشـر ديـن الله تعالى ، ثـم يدق ثـانية ويقـول أنـا لمـواصلـة الدرب وأنـا صلـة الأجيـال .
لأنـه أدرك رحمـه الله أن الدنيـا منـزل عبـور ، لامستقـر حبـور ، ومعبـر وممـر، لاوطـن ومستقـر.
قـال الشـاعر:
                                  سألبـس للفقـر ثــوبا جميلا       وأفتـل للصبـر حبلا طـويلا
سأصبـر بالرغـم لا بالرضـا       ابنـي دعـوتي جيـلا فجيـلا                       
وبمـا أن عـائلة بعلي من شيمها إكـرام الضيف ، فكـل عـابر سبيـل أو ذو حـاجـة حـل بالناحيـة إلا  واستقبـل بحفـاوة ،وكانت دار بن جلـود مخصصة لهذا الغـرض كذلك .                                         
وفي سنـة 1943 م انتقـل إلى مقـر البلديـة لمواصـل تحفيـظ كتاب الله تعالى لأبـناء البـلدة في كتابها المتـواجد  في الجهـة الجنـوبية ، وقد طمست معالمـه بسبب التجديد العمـراني .
لم يبخل الشيـخ : الحـاج لمنـور بعلـي  بجهد ولا وسيـلة تمكنـه من إنارة عقـول متعطشـة وحريصة كـل الحرص على حفظ كتاب الله تعالى ,وقـد وفـق على تحفيظ ما أمكـن تحفيظـه خلال الفتـرة التي قضاها بالبلـدة والمقـدرة بثلاث سنـوات أو أكثـر.﴿إلى غـاية 1946 م ﴾
دون أن ننسى الخصال الحميـدة  التي غـرس جـذورها في نفـوس طلبته وهـم اليـوم يذكرونها بكـل فخـر واعتـزاز حامديـن الله على تلك الفتـرة التي قضوها رفقتـه رحمه الله تعالى .
  هاجر المرحــوم : بعلـي لمنـور سنـة 1946 م  رفقة العديـد من أبناء القرية إلى فرنسا قصد مساعـدة الأسرة على كسب القـوت لكنه بقي محافـظا على تـلاوة القـرآن الكريـم فلـم يتخل عنـه يوما ، يتلـوه ليلا ونهارا خـلال أوقـات الراحـة ، يؤدي صلاته ولا يشغله عنها شاغـل ، قلبـه معلـق ببيوت الله تعالى دوما .
قـال رسـول الله ﴿ص﴾  ﴿﴿إن القلـوب تصـدأ كما يصـدأ الحديـد قـالوا يارسـول الله فما جـلاؤهـا ? قـال : تـلاوة القــرﺁن﴾﴾.
                                                              حديث شريف                                                         
ولأنـه يدرك أن القـرﺁن الكريـم كلام الجبار , وسيـد الأذكـار , فيه من العلـم ما يفتح البصـائر ومن الأدب ما يـور السرائـر ، ومن العبـر ما يبهـر الألباب ، ومن الحكـم ما يفتـح للعلـم والعمـل كل بـاب .
قـرر المرحـوم سنـة 1950 م  العودة إلى أرض الـوطن بعد الفتـرة التي قضـاها في ديار الغربـة ، رفقـة أخيـه الأكبـر الذي فـارق الأهل والوطـن منذ زمـن طـويل، حيث عـادت الفـرحـة إلى الأم الحـائرة التي فـارقـة البسـمة شفاهها منذ رحيلـه .
وبعد عدة أشهر استـأنف المرحـوم الحاج لمنـور بعلي علمـه مجـددا كمعلـم قـرآن بمسجـد الســد قـبالة مسكنـه حيث تقـدر المسـافة بينهما مسيـرة 10 دقـائق لا أكثر                                       
وكان محـل ثقـة من خلال استشـارته في الأمـور الفقهيـة التي يجهلها أهل المنطقـة كالصلاة المفروضـة والصيـام وعقـود البيـع والشـراء والزواج والمـواريث ،يحفظ  الناشئـة القـرآن الكريـم  ،الـذي أنـزله الله آ مـرا وزاجـرا ، وسنـة خالية ومثـلا مضروبا ، فيـه نبأنا ، وخبـر من كان قبلـنا وحكـم ما بيننا ، لايخلق على كثـرة الرد ، ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجـائبه ، لايشبع منه العلمـاء ،هو الحـق من قـال بـه صـدق ، ومن حكـم بـه عـدل ، ومن تمسـك بـه هـدى إلى صـراط  مستقيـم.

ولمـا اندلعت الثـورة التحـريرية كان من الأوائـل الذيـن لبـوا النـداء
لأنـه من الـذين يحملـون الإيمـان في قلـوبهم والقـرﺁن في صـدورهم , والروح الجـزائرية المسلمـة في لحـومهم ودمائهـم حيث انظـم إلى صفـوف جبهـة التحـريـر الوطني ، وأسنـدت لـه عـدة مهـام منها :      1 ـ تعليـم القـرآن في القـرية.
2 ـ كاتب عـام للمجـاهد محمد الصغيـر مهـدي .
3 ـ أميـن المـال.
لأن جبهـة التحـرير الوطني منظمـة كفـاح ، والمهـام التي تواجههـا متعددة ، وهـذا مـا يدعـوها لان تكـون منظمـة تنظيما متيـنا ، فالامتثـال فيـها يجب أن يكـون صـارما ، وتعليماتها التي تصـدرها يجب أن تنفـذ بكـل دقـة ، وأعضـاء الخليـة أمثـال الحـاج لمنـور بعلي  لا يجب أن يعرفـوا بأي شكـل كان عن الخـلايا الأخرى شيـئا، والمسـؤولـون أمثـال الشهيـد محمد الصغيـر مهـدي  مهما كانت درجـاتهم ، يجب أن يسهـروا على حمـل أعضـاء الخلايا ، على التخلص من بعض العـادات السيئـة التي ورثـوها ، مثـل المجيء بعد الوقت  المحـدد ، أو إهمال تنفيـذ بعض التعليمـات ، والاكثـار من اللغـو، وبمـا أن جبهـة التحريـر الوطني لا عـدو لهـا إلا الاستعمـار الفـرنسي الغـاشم فإنها تطلب من أعضـائها أن يفعلـوا كـل شيء لتضليـل خطط جيش الاحتـلال ، وخـاصـة من ينقـل إليهم الأخبار .

ورغـم المضـايقـات الاستعمـارية لمعلمي القـرآن لم يتخـل عن واجبـه الديني ولا الـوطني ، بقي مـداوما على كتـابة التقـاريـر ليـلا وتحفيـظ كتاب الله سبحـانه وتعالى  نهـارا ، كمـا أنشـأ مخبـأ في منـزلـه للجـوء إليه عنـد الضـرورة ، أو لإخفاء  لـوازمـه الثـوريـة ، ولمـا اكتشف أمـره وأصبح مراقبـا ومطـاردا  من طـرف جنـود الاحتـلال ، وكثفت المداهمـات الليليـة لمنـزلـه بمنطقـة لبعـالة قريـة الزمـالة  التي بـاءت بالفشـل لأنـه علـم بذلك ، وكثيـرا ما يفـاجئونه نهارا فيلجـأ إلى  مخبئـه السـري بمسـاعدة أفـراد أسـرته الذيـن يقـومـون بتضليلهـم .                                                                       
لقـد باعـوا أنفسهـم لله والوطـن ، وصدقـوا مع الشـاري الجبـار ﺇنـه الـواحـد القهـار ، الذي لا يعجـزه شيء في السمـاوات ولا في الأرض .
                                                                     
ولمـا اشتـد الحصـار غـادر المنـزل رفقـة العديـد من المجـاهدين ليستقـروا بمغـارة  في جبـال أولاد حمـدان شـرقا  بالمكـان المسمـى﴿ مرقب الطيـر﴾ لكنـه اكتشف فيـما بعـد من طـرف جنـود الاحتلال الفـرنسي فحـوصر مـدة 11 يـوما  وبعدها اضطـر المجـاهدون المحـاصـرون إلى الاستسـلام وهـم :
                                         
ابن مهنـي الدراجـي ـ بن بـوقـرة ساعد ـ بن بوقـرة عبد الله ـ مروش رابـح بن البوهالي ـ علي سعيـدات ـ  بعلي لمنـور ـ خضـور لمبـارك ـ ابن حميميـد محمـد﴿ المدعـو بن عثمـان ﴾                               
                                                                 مخبـأ مــرقب الطيــر

                                                               
وبعـدما القي القبض عليهـم زج بهـم جميـعا في سجـن مجـانة الواقعـة شمـال برج بوعريريج ولازالت معـالمه لحـد السـاعة، وهـو مـركـز للشـرطة حاليـا جـوار أقـدم مستشفـى بالولايـة ، فقـد لقي من التعذيب ما لقي لكنـه بقي وفيـا لعهـده ، ولم يتمكـن العدو الغـاشم منـه رغـم الوسـائل المستعملـة ، لأنـه رحمـه الله يـدرك أن خيـانة الوطـن من  أعظـم الكبائر ، فقـد فضـل الاستشهـاد عن الخيـانة ،لأنـه حـر ابن حـرة  فلم تكتب لـه وتلكـم مشيـئة الله تعالى    .
قـال الله تعالى﴿﴿ من المـؤمنين رجـال صدقـوا ماعـاهدوا الله عليـه ، فمنهـم من قضـى نحبـه ، ومنهم من  ينتظـر وما بـدلـوا تبديـلا ﴾﴾
ولمـا أطلق سـراحه ، لم يتخـل عن واجبـه الديني والوطنـي حيث بقـي يدرس بالقـريـة تحت لـواء جبهـة التحـرير الوطني ، ويـزود المجـاهديـن بكـل ما استطـاع من تغذيـة للمجـاهدين وجيش التحريـر الوطني عنـد عبـور المنطقـة ، أو كشف لتنقـلات الجيش الفـرنسي إلى غـايـة الاستقـلال .
نشـاطه التجـاري: قـرر المرحـوم الحاج لمنـور بعلـي الدخـول في ميـدان التجـارة بعدما لقي الشـريك المناسب من أصـدقـائه سنـة 1965 م ، حيث فتـح محـلا إلى غـايـة 1973 م حيث منّ الله تعالى عليـه بزيـارة بيت الله الحـرام حـاجا .
فعنـد وصـوله إلى البقـاع المقدســة أحـرم بالحـج ولبى مع الملبيـن ، ولمـا بلغ مكـة مع الركب غمـرتـه أشـواق عـارمـة ، وطـاف مع الحجـاج طـواف القـدوم ، وصـلى خلف مقـام إبـراهيـم عليـه السـلام ، وسعى بين الصفـا والمـروة وشـرب من مـاء زمـزم ......وقضـى شعـائر الحج بطـواف الـوداع .
وبعـد هذه الرحلـة الميمـونة بقيت تـراوده نفسـه على العـودة ثـانية داعيـا الله تعالى في قيـامه وسجـوده ، وبعد عشـر سنـوات( 1993 م) قصـد البقـاع المقدسـة ثانيـة رفقـة حـرمه التي كـانت لـه السنـد في جهـاده وتعليمـه ، وأنجبت لـه ذريـة أحسنت تربيتهـا وتعليمها من بينهـم : عبد الحميـد ـ محمـد ـ عبد المجيـد ـ الجمعـي ـ رضا ـ فـارس ، جعلهـم الله من الذريـة الطيبة إن شاء الله.     
بقي المرحـوم مـداوما على فعـل الخيـرات ، حريصـا على أداء صلـواته في المسجـد ، و لـم الشمـل ، واصـلا للـرحـم ومكـرمـا للضيف ،لأنـه رحمـه الله ينبـوعا يتدفـق بالخيـر والرحمـة ، ويفيض بالنفـع والخيـر وإسـداء المعـروف إلى الآخـرين.
قـال رسـول الله  (ص):
﴿العمـرة إلى العمـرة كفـارة لمـا بينهمـا ، والحج المبرور ليس لـه جـزاء إلا الجنـة ﴾  رواه البخـاري ومسلم
ولإيمانه العميـق وحبـه للمصطفى صلى الله عليـه وسـلم وشـوقـه لبيت الله الحـرام ،قـرر ختـم زيـاراتـه للبقـاع المقدسـة  بعمـرة سنـة 1996 م منفـردا .   
قـال رسـول الله صلى الله عليـه وسلـم ﴿ يـؤم القـوم أقـرؤهم لكتاب الله فان كـانوا في القـراءة سـواء ، فأعملهـم بالسنـة ، فان كانـوا في السنـة سـواء ، فأقدمهم هجـرة ، فان كـانوا في الهجـرة سـواء ، فأقدمهم سلمـا ولا يـؤمن الرجـل الرجـل في سلطـانه، ولا يقعـد في بيتـه على تكرمـة إلا بإذنـه﴾. رواه الترمذي
لمـا تشكلت اللجنـة الدينية لمسجـد الوحدة بالزمالة ترأسهـا المرحـوم تشـريفا للمجهـودات المبذولـة من طـرفه وتكليفا لأنـه الأجـدر بها ، قصـد بنـاء مسجـد أوسـع لأن عـدد المصليـن في تزايـد مستمـر فقـد وضـع الحجـر الأسـاس بدايـة شهـر جـانفي 1980 م و بقيت الأشغـال مستمـرة على قدم وسـاق من طـرف الجميـع جازاهـم الله خيـرا ، حيث أقيمت أول جمعـة فيـه سنـة 1982م رغـم استمـراريـة الأشغـال ، وكان المـرحـوم الحـاج لمنـور بعلي أول من صعـد المنبـر لأداء خطبتي الجمـعة في المسجـد تطـوعا  لأنـه الأجـدر، ريثمـا توظف مديـرية الشؤون الدينية من يخلفـه، وبقي يـؤم النـاس قـرابة السنتيـن تطـوعا بغيـة الثـواب الجزيـل لاغيـر، بعدهـا عين المرحـوم بوحصيـدة خـالد من طرف المديـرية الوصيـة .   
الائمـة الذيـن تعاقبـوا على المسجـد:
1 ـ الحـاج لمنور بعلي            5 ـ سعـدون رابـح
2 ـ بوحصيـدة خالـد              6ـ شيـخ محمـد
3 ـ خبابـة احمـد                 7 ـ ابن احسـن عبد السـلام
 4 ـ فرحات عبد الحليم                                                     
                                                       مسجـد الــوحـدة بقريـة الزمــالـة

   قـال رسـول الله صلى الله عليـه وسلـم:
﴿﴿أكثـر ما يـدخل النـاس الجنـة تقـوى الله وحسـن الخلـق﴾﴾ رواه الترمذي                                         
عـاش المـرحـوم الحـاج لمنـور بعلي بين أهـله وذويـه  ، فتجسدت فيه معاني الدعـوة الإسلامية في صفـاء ورواء، ومن أعلى ما تجسد فيه خلق الإخـاء فهو صافي المـودة، ثـر العـطاء حيثما توجـه نشر من عبيـر روحـه الحبّ، فلا يكاد يجتمع مع أخٍ حتى يشعل في قلبـه نـور الإخـاء في الله حارّاً متوقـداً منيـراً لأنـه هو كذلك، فتراه يغرف منه الصغيـر ويرتشف منـه الكبيـر، وهو بطبيعته شـفاف النفس حساس الوجـدان مع تأمـل عميـق، وفراسـة صادقـة، وفطرة صافية، وقدرة كبيرة على أن يحيط الكـبار والصغار بعطفـه، وأن يتجاوز عن الأخطاء، ويغض الطـرف عن الـزلات، ويتحمل في الله المصيبات، مما جعل الكثيـرين من الشبـاب يتعلقـون بـه بمجرد أن يعرفـوه، لأنهم يجدون عنـده حـباً بلا مصلحة، وأبـوةً بلا مطالب شخصية، وأخوة تتقارب في أجوائها فـوارق السـن والقـدر بسبب من تواضع لا يعرف إلا الحدود الشرعية.
ولمـا كبـر سنـه ووهنت قـوتـه لـزم البيت بسبب المـرض شهـر جـوان 1997 م ، لكنـه بقي مـداوما علـى أداء الصـلاة و قـراءة القـرآن ، يقصـده الأحباب والأصدقـاء ليطمئنـوا عن حـالته الصحيـة، فكـلما سئـل رد في الحيـن بقلب راض بقضـاء الله ، الحمـد لله ، وهي من شيـم المسـلم المـؤمن التقـي .
توفـي المـرحـوم الحـاج لمنـور بعلـي صبـاح يـوم الثـلاثاء 5 أوت سنـة 1997 م على السـاعـة العاشـرة صبـاحا، ودفـن جثمـانه الطـاهر بمقبـرة الزمـالة مسقـط رأسـه ،  رحم الله الشيخ ورحم معه كل شيـوخ القريـة ممن سبقـوه وعاصروه،  فـيا من تقف على قبره ادع لـه ولجميع الأموات بالرحمـة والغفـران إن شـاء الله .
إنــا لله وإنــا إليــه راجعــون
 من أصـدقائـه:صديـق يدعى رابـح السعيـدي. الابن :المعلم  بعلي محمـد
                               أجرى الحوار وأعده: المعلم بن عـامر


                                           


إرسال تعليق

[blogger]

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

صور المظاهر بواسطة PLAINVIEW. يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget